أغسطس 2021

الدور التاريخي لسعيّد والحركة السعديّة بقلم أحمد الغيلوفي

لنبدأ القصة من البداية:
منذ القرن التاسع عشر كانت المُعضلة التي واجهت القناصل الانقليز والفرنسيس في تونس هي عدم السماح للجالية الاوروبية بحق التملك في تونس بموجب القوانين الداخلية.
كان المرسيليون و الصقالبة والحرفييون المالطييون يُحشرون في “فُندق” سواء في حلق الوادي او العاصمة او سوسة او صفاقس.
كان الاوروبيون يعرفون انه لا يمكن ان تتحول هذه الجالية الي ذراع اقتصادية تخدم المركز بدون ان يكون لها حق الملكية والتجارة والفلاحة مثلها مثل العنصر الاهلي.
عندما اعدم الباي يهوديا تونسيا اتخذ القناصلة من ذلك ذريعة وحولوا الحادث الي قضية راي عام دولي واجبروا الباي على احداث اصلاحات تشريعية وتغيير القوانين، وهو ما افضى الي اصدار دستور 1861
اهم ما في هذا الدستور هو اعطاء الجالية الاوروبية حق الملكية، وتقسيم السلطة بين الباي من ناحية، ووزراءه من ناحية اخرى، والمجلس الكبير من ناحية ثالثة. اصبح الباي غير مُطلق السلطة وانما”مسؤولا امام المجلس الكبير ان خالف القانون” (الفصل 11)، اما الوزير الاكبر فقد مُنِح حق التصرف باستقلالية نسبية فيما يخص وزارة المالية ووزارة التجارة، وهو مايعني انه هو من يصادق على منح الرخص الاستثمارية. المجلس الكبير له دور تشريعي فيما يخص المالية والقضاء والادارة.
سوف تكتشف فرنسا سريعا ان هذا الدستور لا يساعدها بالمرة، ان اعطاء الاجانب حق الملكية يعني ان الطليان الذي هم عشرة اضعاف الفرنسيين سوف يتحصلون على النصيب الاوفر من الاستثمارات والاراضي التونسية، وهذا يتنافى تماما مع مشروعها الاستعماري لتونس، كما انها ستعاني كثيرا من الوزير الاكبر سواء كان مصطفى بن سماعيل او خير الدين فيما يخص رغبتها في احتكار المناجم وبناء المواني والسكك الحديدية، اوفيما يخص وضع يدها على الاراضي الخصبة. لابد من ابطال هذا الدستور الذي لا يعطي للفرنسيس حق حصري بالاستثمار ويُقسم السلطة بحيث لا تستطيع فرنسا السيطرة عليها وتوظيفها بشكل كلي. يقول القنصل الفرنسي “الان، لا قيمة للتدخل المباشر لدى الباي لانه ليس الحاكم الفعلي، ان “نصائح” القناصل لا جدوى منها..” (قانياج 145)
في 1864 اندلعت ثورة على بن غذاهم. يقول القنصل الفرنسي “بوفال” في رسالة وجهها الي مرؤوسيه في باريس ” الان علينا ان نترك علي بن غذاهم يقترب من العاصمة، وان ننقذ الباي، او على الاقل ننقذ العائلة الحسينية”، وفي نفس الوقت وجه برسالة لعلي بن غذاهم يقول فيها “باسم الله وحده، نقسم بالله ان لا نُخفي عليكم شيئا من نوايا فرنسا. ان اسطولنا قادم لفرض مطالبكم على الباي. ان وزرائكم، وقبل فترة قليلة من ثورتكم قاموا بمعاهدة مع الانقليز سمحوا لهم بموجبها بامتلاك العقارات والمنازل والاراضي واقامة السكك الحديدية..ان الانجليز سوف يفتكَّون اراضيكم، ولكن بعون الله عندما نلغي الدستور ستُلغى هذه الاتفاقيات آليا” (قانياج 163)
وفي نفس الوقت يقول للباي “ان الغاية من تواجد اسطولنا هو حماية عرشكم ، وان غايتنا هي ان نجعلكم الحاكم الفعلي والوحيد للبلاد، وان ذلك لا يكون الا بالغاء الدستور” (قانياج 151)، وبالفعل ذلك ماحدث. عاد الباي حاكما مطلقا وامضى اتفاقية “الحماية”.
عزيزي التونسي “الدماغ” بامكانك ان تُغير الشخوص والتواريخ والدساتير، وتنظر من حولك الي المنافسين الجدد لفرنسا وتقرا الاحداث من 2010 حتى 2021 لتعرف الي اين تُساق، وعليك ان تعرف انه بعد خمسين سنة سيُرفع السّر عن الوثائق ورسائل السفراء، وسوف يطلع باحث تونسي عليها ويعرف كم كان جده التونسي تافها وحقيرا وجاهلا، وكم كان السفراء يحتقرونه وهم يوظفونه، وينفخون في صراعاته ويصفقون له فيرقص كالمزطول متوهما انه “مُهِمّ جدا”. حين يعود النظام الرئاسي تُرفعُ الصحف وتجِفّ الاقلام ويعود الباي الي قصره، وتهجع ماجر وزلاص ويعود الفراشيش الي جبالهم، وتواصل ورغمّة العيش على طريقتها القديمة. كل ماتراه من احداث هي مجرد تفاصيل لا يعتد بها التاريخ، تغيير النظام وتغيير الدستور ولصالح من، ذلك مايبقى وذلك مايهم الدول والشعوب.