11 سبتمبر… محطة للتفكير والاعتبار

رشيد الإدريسي
هناك حقيقة بديهية عن العلاقات فيما بين الدول، والمتمثلة في كون كل طرف يحاول أن يميل الكفة لصالحه في كل المجالات الحساسة المرتبطة بالاقتصاد والثقافة والسياسة …ويوظف من أجل ذلك الوسائل المادية والمعنوية المتوفرة لديه؛ فيقدم مساعدات ويرفع شعارات ورموزا ويحرك جماعات ضغط هنا وهناك، ويضع خططا قد تكون نتائجها آنية، وأخرى بعيدة المدى بحيث لا تتحقق نتائجها على أرض الواقع إلا بعد سنوات عدة.
وما قامت به القاعدة في حادث 11 سبتمبر 2001 هو الآخر يندرج ضمن هذا الإطار، وإن كان قد وقع بين دولة هي الولايات الأمريكية، ومنظمة هي في حكم الدولة، إذ كانت القاعدة تستظل بدولة طالبان في أفغانستان التي هي التجسيد العملي للمشروع المجتمعي الذي تدعو إليه منظمة ابن لادن.
وحادث الحادي عشر من سبتمبر هو تركيز لهذه الرؤية الجيوسياسية، مع إرفاقها بإراقة الدماء لإكسابها أعلى درجات تحققها الممكنة واقعا وخيالا؛ فالذي وردت في ذهنه فكرة استعمال الطائرات في الهجوم أول الأمر وبهذا الشكل المروع، ولا شك أن بن لادن ممن ساهم في ضبط التصور، أراد أن يميل الكفة لصالحه ويضعف أمريكا بضربة واحدة. لذلك وجه الطائرات لتدمير الاقتصاد الأمريكي ممثلا في مبنى برجي التجارة العالمي، كما استهدف قوتها العسكرية ممثلة في مقر وزارة الدفاع، وعمل على ضرب البيت الأبيض مركز إصدار القرارات السياسية، وهو ما تم تفاديه في آخر لحظة.
المتأمل في هذه الخطة يلمس أن هدف القاعدة كان هو شل الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، ليتلو ذلك فوضى عارمة وعماء مطلق يجعلها في موقع ضعف ويسمح بالقضاء عليها، أو على الأقل شغلها بنفسها داخليا، لإفساح المجال لخطط المهاجم لتكمل مسيرتها دون تشويش. وهذا السيناريو كان محتملا في ذهن ابن لادن، خاصة أنه كان قد خرج فيما سبق من الحرب ضد الاتحاد السوفياتي الذي تفكك وانهار بشكل لم يكن متوقعا، وكان من أسباب ذلك صمود الأفغان الذين كان يؤازرهم ابن لادن بماله وبالمقاتلين العرب المنضوين تحت لوائه. ولا شك أن ابن لادن قام بعملية مقايسة متسرعة تنطلق من أن من قضى على الاتحاد السوفياتي، وهي الدولة القوية، يستطيع أن يقضي على أمريكا كذلك، ونسي في غمرة الانتشاء بالنصر الأول استحضار العناصر الخاصة بكل دولة من هاتين الدولتين، وهو ما كان كفيلا بأن يبصره بتسرعه وبخطأ  مقارنته ولا علميتها، ناهيك عن لا إنسانيتها لأنها استهدفت أناسا أبرياء.
إن الرؤية التي تحكم من خطط لهذه العملية هي رؤية سحرية لا تولي اهتماما للمآلات، وتتصور العالم من زاوية لعبة “الدومينو” التي لن تتوقف، بمجرد إسقاط قطعتها الأولى، إلا بعد أن تسقط جميع القطع الأخرى لتبلغ آخر قطعة في اللعبة. وقد نسي صاحب هذه الرؤية وهي رؤية سحرية، رؤية إنسان تفوق “طموحاته” قدراته فلجأ لتحقيق الطموحات إلى الخيال والحلم، أوهي رؤية إنسان لم يلعب في طفولته بما فيه الكفاية، ونسي أن سقوط القطع قد يتوقف في منتصف الطريق، لتنقلب الخطة على صاحبها، وتتحول إلى ذريعة تتخذها بعض الأطراف منطلقا لتمرير خطط مضادة كانت مهيأة، ولا تنتظر إلا الوقت المناسب لتنفيذها تحت غطاء “الشرعية الدولية”.
لقد كان يرمي ابن لادن من خلال هذا العمل الذي ذهب ضحيته الأبرياء دون غيرهم إلى تغيير التاريخ، فانتهى إلى تهديد العالم العربي والإسلامي بتغيير جغرافيته ؛ إذ أتاح الفرصة للمحافظين الجدد لتمرير مخططاتهم الرامية إلى تقسيم العالم العربي والإسلامي أكثر مما هو مقسم، لضمان استقرار العالم وتثبيت وضعية التخلف التي يعرفها هذا الجزء منه، فلا يمكن للمحافظين الجدد ،حسب هذه الرؤية الضيقة، أن يحافظوا على مصالحهم  إلا بولايات عربية متفرقة ومجزأة.
والمتأمل في التحليلات التي انتشرت عقب هذا الحادث يتذكر أن من بينها التحليل الذي ذهب أصحابه إلى أنه بمجرد إسقاط النظام العراقي، سوف تتلوه الأنظمة العربية الأخرى في التهاوي الواحدة تلو الأخرى، وهي نفس نظرية “الدومينو” التي حكمت رؤية منفذي عمليات 11 سبتمبر، وكما فشلت الأولى فقد فشلت الثانية بتحول العراق إلى نموذج فاشل، حيث ظهر أن الأمور ليست سهلة عمليا كما هو الشأن على المستوى النظري.
وقد ظهر كبديل عن هذا التصور التبسيطي الذي يطالب بالتدخل المباشر في كل الدول العربية وتغييرها قسرا، تصور آخر يدعوا إلى ضرورة إضعافها أكثر مما هي عليه عن طريق إلقاء بذور التقسيم وتشجيع الطائفية. ومعلوم أن مثل هذه الآفات إذا ما تمكنت من دولة ما، جعلت عملية التنمية أمرا مستحيلا، وجعلت التدخل الأجنبي بحجة حماية الأقليات أمرا سهلا. والهدف البعيد من خلال ذلك هو خلق كيانات جغرافية داخل الكيان الموحد لخلخلته كلما عارض سياسة أو خطة ما، وخلق مجموعات وظيفية على الأمد القريب والمتوسط، تستميت في الدفاع عن سياسات الآخر الأجنبي وكأنها سياساتها الخاصة.
وبالرغم من أن الكثير من ذلك لم يتحقق لحد الآن كما تم تصوره على الورق، فإن المناخ الدولي الذي أعقب هذا الحادث، أثر سلبا على الداخل العربي وأطلق مجموعة من الأصوات المنادية بالتدخل الأجنبي ولو اقتضى الحال ضربها بالقنابل، كما سمح لبعض الأصوات بحكم هذا المناخ بأن تعلن عن الرغبة في الانفصال عن الوطن الأم. وفي الكثير من الدول العربية شُرِع بسبب هذا الحادث في الاشتغال الصامت على الكثير من الملفات التي تمس الدين والثقافة واللغة والإثنيات بهدف تهيئ الأرضية وإنضاج الشروط لتحريك الملف الجغرافي في مراحل لاحقة، لذلك فإنه أصبح لزاما في أجواء الثورات العربية التي بدأ البعض فيها العمل على تحريك ما هو طائفي وقبلي ولغوي وديني… أن  يضطلع المثقفون بالأدوار المنوطة بهم، وأن يهتموا بهذه القضايا والملفات الحساسة تحليلا ونقدا، ويعمدوا إلى  تقديم الأجوبة المتوازنة عن هذه الأسئلة التي ستظل تطرح دوما كلما حلت هذه الذكرى المفصلية في التاريخ الحديث.

idrissy@gmail.com