أبو يعرب المرزوقي يعلّق على إقالة وزير الداخلية: ‘المشيشي أحبط انقلاب والرئيس تشد بالكمشة وحصل كالضبع ويجب أن يحاكم بتهمة الخيانة العظمى’

كتب أبو يعرب المرزوقي:

الانقلاب: 

ما أقدمه ليس معلومات. لكنه ليس رجما بالغيب. إنما هو تحليل باعتماد منطق الربط بين الأحداث السابقة واللاحقة للحدث. والمعلوم أن الأحداث نوعان:

  1. أحداث الأفعال
  2. أحداث الأقوال

وتلك هي علة اعتبار الزمان التاريخي مخمس الأبعاد وليس مقصورا على ثلاثة مثل الزمان الطبيعي:
1-و2-فالماضي حدث فعلي يمضي ويبقى منه الحديث الذي هو حدث قولي يتعلق به ويضفي عليه المعنى الذي يواصل تأثيره في ما يليه.

3و 4- والمستقبل حديث قولي يعد لحدث فعلي يحقق الممكن منه فيضفي عليه الوجود الذي يعين تأثيره وهو المعنى الثاني للتأويل في القرآن (إما ترجمة الحدث إلى حديث أو ترجمة الحديث إلى حدث).
5-فيكون الحاضر بهذا المعنى ليس لحظة بين الماضي والمستقبل بل هو يحيط بهما لكون يتضمن الماضي بحضوره الفاعل فيه بالفعل والمستقبل بحضوره الفاعل فيه بالقوة فيكون هو المركز في التاريخ الإنساني.

لذلك فالتحليل الذي سأقدمه ينطلق من الحاضر بهذا المعنى المحيط بالماضي إضفاء للمعنى على أحداثه وبالمستقبل إضفاء للوجود على أقواله. ولا يوجد فهم لاستراتيجية الأفعال والأقوال في التاريخ الإنساني بصورة أخرى ممكنة.
وبفضل هذه البنية المخمسة للزمان التاريخي أمكن لي دحض أساس الفلسفة الهيجلية (أرواح الشعوب وجدل التثليث) والماركسية. (الطبقات وجدل التثليث): ولا يمكن فهم شيء من تاريخ العمران والاجتماع بالمعنى الخلدوني من دون الأبعاد الخمسة.
والحاضر المحيط ببعدي الماضي وبعدي المستقبل والذي يمثل قلبها وأصل فهمها لوصله بين الحدثين والحديثين المتفاعلة أربعتها فيه هو في مشكلنا الحالي:
فهو حدث فعلي وقولي يشبه المرجل الذي يغلي ويفيض ليحيط بها أربعتها ويتعلق بعزل المشيشي لوزير الداخلية الذي حاول الانقلاب على الشرعية بتأييد ممن ينكرها على مشاركيه فيها لكونه ذا ميل مرضي للدكتاتورية.

لذلك فالأمر لا يتعلق بعزل وزير بل بإحباط انقلاب وهو المعنى المحيط بكل ما مضى حدثا وحديثا وبكل ما سيأتي حديثا وحدثا والمنقلب ينبغي أن يحاكم بتهمة الخيانة العظمى وليس وحده بل ومن معه بدءا بالرئيس وكل الذين عينهم في التحوير الذي أراد القيام به لإنجاز الانقلاب.
واعتقد أن المشيشي والذين عزلهم المنقلب كانوا ينتظرون الانقلاب وإلا لفاجأهم ولما استطاعوا إحباطه. وقد يكون سفر المشيشي ليلة رأس السنة كان بقصد نصب “المنداف” الفخ وإعطاء الفرصة لحصوله حتى يتم إجهاضه بصورة نهائية.
فحضور الرئيس إلى الداخلية ما كان ليحصل لو كان المشيشي في تونس ما يعني أن إحباط الانقلاب كان تاما ولا يتعلق بالوزير منفردا. وإذن فالرئيس لم يبق له فرصة للتنصل من المحاولة: تشد بالكمشة. لذلك فإني اعتقد أن “الضبع” حصل.

وطبعا لا يمكن أن يكون المشيشي بمفرده قد حقق ذلك. وهو ما يعني أن الداخلية بدأت تتعافى وصارت مثل الجيش جمهورية بنحو ما أو أنها فهمت مثله أن العالم لم يعد يستسيغ الانقلابات المسلحة.
وعلى كل فلو لم يغلب عليها التعافي لنجح الانقلاب ولكان الفريق الذي نصبه المنقلب قد تغلب على الفريق الذي عزله وهو طبعا من ساند المشيشي وإلا لاستحال عليه أن يتوقع الانقلاب وأن يعد العدة لإفشاله.

وقد أعود للحدث فأحلل الأمر مزيد التحليل. لكني سأنتظر الأحداث حتى لا يكون السيناريو محض خيال رغم أن ما كتبته هنا هو على ما اعتقد السر في نجاح إحباط الانقلاب فضلا عما اعد له في المستويات الأربعة المتقدمة عليه.
فمحاولة الانقلاب التي فشلت في ذروتها لان ما حدث في الداخلية هو ذروة المغامرة اليائسة والتي من علاماتها مناورات جماعة البسكلات والبرميل بعد فشل مناورات الزغراطة، وليس بالصدفة أن كان تردد اسم عاصمة الساحل في المرحلة الخامسة والأخيرة متواترا.

والمراحل الأربعة المتقدمة هي:

  1. النجاح المتواضع جدا لتكوين التنسيقيات أو لنقل الفشل شبه التام رغم تواطئ الاتحاد الذي يحرك ما بقي له من شعبية “بو دو شجران”. وقد يكون للحملة التي تعلقت بأداء الرئيس من البداية الدور الرئيس في إفشالها لأنه لم يتجاوز الأقوال التي تناقضها الأفعال فيسر فضحه ويأس الشباب منه.
  2. الفشل المطلق في توريط الجيش وأعتقد أن استقالة مستشاره الأمني من أبطال الجيش وقيادات الجيش التي لها ثقافة تهزأ من تخريف الرئيس فضلا عن عقيدتها الجمهورية.
  3. الفشل الفاضح لمناورات تكوين حكومة الرئيس لأن إفشال حكومة المجلس آل إلى حكومة الفخفاخ فكانت فضيحة بجلاجلها وتزامن تحركات اتحاد الخراب مع هذه الأحداث الثلاثة لم يكن بدون تواطؤ مع الإنقلابيين وهو سيزداد بعد إفشال الانقلاب.
  4. وإعادتها كانت القاتلة لان الذي ظنه “حريبشة للبلعان” اعني المشيشي تبين رجل دولة بحق قبل اللعبة ليصبح قادرا على إفشال كل المؤامرات وكانت بدايته إذن هي الحرص على أن يكون رئيس حكومة وليس دمية الدمية.

ولست غافلا عن كون الثقة في السياسة إذا لم تكن مبنية على محددات تؤيدها بما يحول دون انقلابها إلى عكسها لذلك فإني اعتقد أن المشيشي لا يمكن أن يكون جاهلا بأن ما يمكنه من النجاح في منع الانقلاب يحول دونه هو بدوره والانقلاب على الثورة.
ذلك أن فشل المراحل الثلاثة التي تقدمت على دوره هي التي جعلت دوره يكون ممكنا وفعالا: فما كان يستطيع أن يصبح رئيس حكومة لو لم يكن المجلس قد أعطاه الثقة وسانده. ومن ثم فهو يدين بوجوده لوعي الشعب ولصمود صف الثورة.
ومعنى ذلك أن ما حدث في تركيا بعد الانقلاب وافشله حدث في تونس قبل الانقلاب واعد لإفشاله: الشعب حال دون انقلاب الجيش في تركيا ولكن ما كان الشعب ينجح لو لم يكن الجيش هو بدوره ليس كله فاسدا.
كذلك ما كان انقلاب الدمية ووزيره للداخلية يفشل لو لم يكن الشعب والداخلية والجيش سندا للعملية التي قام بها المشيشي ومن سانده في الداخلية لأن الدمية تصور أنه في غيايه كان بوسعه أن يحقق الانقلاب.
لم يكن يدري أن المشيشي ومن معه من الملخصين في الداخلية كانوا على بينة مما يجري فأوقعوه في فخ ليلة رأس السنة: طربق عليه المنداف فأمسكوا به بـ”عظمته” ولم يعد مفر من أن يشد ببوشته.

لذلك فكل محاولات ضرب البرلمان من قبل الزغراطة ثم العياطة والبسكلات والبرميل وكل البعابس دليل على أن الثورة هي التي جعلت المشيشي ينجح وهو ذكي ويدرك ذلك خاصة والمشوار ما يزال طويلا.
لذلك فإني اعتقد أن ما يجري في أمريكا حاليا ينبغي أن يكون درسا يستفاد منه: لا بد من أن يوضع حد لجنون الدمية كما يحاولون في أمريكا وضع حد لجنون ترامب.
وينبغي أن يكون التعاون بين الشعب وأدوات الدولة الشرعية أمنها وجيشها لإعادة الرجل إلى كوكبه في المنيهلة وتمكين الشعب من إعادة الانتخابات بعد تعديل قانون الانتخابات وتأسيس المحكمة الدستورية.
فيكون الحل جمعا بين ما يحصل في أمريكا وما حصل في تركيا لكن بالعكس بمعنى أن الأمر يتعلق بإحباط الشعب وقواه الشرعية الانقلاب وليس بتحقيقه. وينبغي محاكمة الرئيس وعزله خاصة إذا كان هذا السيناريو المرجح حقيقيا وليس مجرد ترجيح افتراضي.