الهروب المرّ إلى الجزيرة والعودة المريرة إلى أنقرة..

لا يحتاج إيمانويل ماكرون إلى وسائل الإعلام لمخاطبة الأنظمة العربيّة والأخرى الإسلاميّة، فقط يحتاج إلى تحريك السفراء أو المقيمين العامّين، من خلالهم يستطيع توجيه الأوامر أو اللوم أو إرسال مطالبه أو التأنيب أو التوبيخ أو حتى التهديد، ذلك عن الأنظمة، أمّا إذا أراد أن يخاطب الشعوب فعليه أن يترجّل عن عناده ويتخلّص من كبريائه ويبتعد عن البؤر الإعلاماويّة العربيّة المعادية للشعوب، ثمّ يأتي البيوت من أبوابها، ولمّا وقع تحت ضغط المؤسّسات والمصانع والشركات الفرنسيّة ولمّا أكّد له الخبراء وعلماء الاجتماع أنّه وضع يده في عشّ الدبابير وعليه أن يتراجع بسرعة، حينها اختار على مضض قناة الجزيرة ليخاطب الجماهير والشعوب، بالتوازي أعاد سفيره إلى أنقرة ومدّ جسور الحوار مع تركيا.

صحيح أنّ السياسة الفرنسيّة هي التي أرضعت السّاسة العرب من فضلاتها، وصنعت النخب على مقاس خدمتها، لكن عندما يتعلّق الأمر بمصالح فرنسا تحضر الواقعيّة وينتهي الالتفاف والمخادعة لصالح النجاعة، ساعتها تُلقي باريس بكلّ تلك الألاعيب التي لقّنتها للنخب والأنظمة العربيّة وتذهب إلى مصادر الحلّ بلا تردّد وبلا وساطات هزيلة، لذلك ذهبت إلى الجزيرة وإلى تركيا، من جهة صوت الشارع العربي ومن جهة أخرى الدولة الوحيدة الجديّة والقويّة التي تصدّت إلى الإساءة بفاعليّة وتحرّكت بنجاعة من هرم سلطتها إلى شارعها.

ذلك عن تراجع ماكرون.. ولأنّ الاقتصاد كان أحد الدوافع الرئيسيّة التي دفعت باريس إلى فرملة هيجانها على الإسلام والجنوح إلى شيء من التعقّل، لا بأس من إطلالة ولو عابرة على بعض الأرقام التي قد تساعد في تفكيك المستشكل على المتابع الكسول الذي أرهقته نخب باريس بالمناولة وحدّثته كثيرا عن خدمات فرنسا الجليلة كما حذّرته طويلا من قلوب تركيا البيضاء والسوداء وسائر بضاعاتها.

بلا إطناب يكفي القول أنّه وفي سنة 2019 بلغت صادرات فرنسا إلى تونس 3.7 مليار دولار فيما بلغت صادرات تركيا إلى تونس في نفس السنة 886 مليون دولار، وهذا يعني أنّ صادرات فرنسا إلى تونس تفوق صادرات تركيا بأكثر من أربعة أضعاف!

في ذات العام “2019” بلغت صادرات فرنسا إلى تركيا 6.66 مليار دولار، بينما بلغت صادرات تركيا إلى فرنسا 9.81 مليار دولار، ما يعني أنّ فرنسا تعاني من عجز تجاري مع تركيا، وذلك رغم أنّ باريس تحتل المرتبة الرابعة في استقبال الصادرات التركيّة، بما أنّ أكبر الأسواق للصادرات التركيّة في العالم هي : ألمانيا (9٪ من الإجمالي العالمي)، بريطانيا (6.3٪)، إيطاليا (5.4٪)، العراق (5.2٪)، الولايات المتّحدة (4.7٪)، فرنسا (4.5٪)، إسبانيا (4.5٪)، هولندا (3.2٪).

نصرالدّين السويلمي