النهضة.. الخطاب الثوري.. وميزان القوى

تساءل أحد الأصدقاء لماذا استعادت النهضة خطابها الثوري؟ ومن يضمن أن لا تعود إلى التوافق مع النظام القديم وتتخلى عن هذا الخطاب بعد الانتخابات؟

وفي الحقيقة فإن الراصد الأمين يلاحظ أن موقف النهضة لم يتغير فجأة ودون مقدمات من خطاب التوافق إلى الخطاب الثوري.. بل مر الأمر بمسار طويل من التغير التدريجي في ميزان القوى رافقه تغير تدريجي في الموقف، وهو أمر لا يخفى على المراقب الحصيف.

ثمة ثابت في موقف النهضة منذ الثورة لم يتغير، بل حتى ما قبلها بسنوات، وهي أنها لا تريد أن تحكم وحدها.. في البداية كانت تجربة الترويكا ثم تجربة التوافق مع الباجي ثم تجربة التوافق مع الشاهد.. ثم فكرة العصفور النادر.. ولو فازت النهضة اليوم او غدا فلا أراها تنوي الحكم وحدها.. فهي تعتبر الحمل ثقيلا وأثقل من أن ينهض به حزب واحد مهما كانت قوته.

بعد انتخابات 2014 وفي ذروة الهجوم السياسي للقديمة قبلت النهضة أن تشارك في حكومة الحبيب الصيد في 2015 بوزير واحد.. فالهدف لم يكن الحكم.. الهدف عدم ترك النداء يستفرد بكل شيء.. ويعيد سيرة النظام القديم كما كانت.. كان الهدف الحفاظ على الدستور والمشاركة ولو بوزير واحد.

ثم جاءت حكومة الشاهد (2016) وتفاقمت أزمة النداء.. ومع تعدل جزئي في ميزان القوى بدأت مطالب النهضة تزيد.. لم تعد تقبل بوزير واحد.. ولم تعد تقبل كل طلبات الباجي.. بدأت الفرملة التدريجية لهجوم القديمة.

مع الباجي ومنذ جانفي 2018 أصرت النهضة على إجراء الانتخابات البلدية رغم حرص النداء رالباجي على تأخيرها.. وأجريت الانتخابات وظهر اختلال ميزان القوى بتراجع النداء وتفاقم تفككه..

مع مطلع 2019 تفاقم تذرر النداء وتعدل أكثر ميزان القوى ودخلت النهضة في لعبة لي الاذرع.. لقد رفضت بوضوح كاف اقالة الشاهد وحصل ما حصل من الباجي من غضب جنوني واتهام النهضة بخيانته.. فما كان منه إلا أن ترأس مجلس الامن القومي وطرح ما سمي بملف التنظيم السري على المجلس في محاولة منه للضغط على النهضة لاجبارها على الخضوع له.. لكنها رفضت بإصرار التجاوب معه.. ورفضت رغبته المكشوفة في توريث الحكم لابنه.

كان التوافق أداة لامتصاص الهجوم السياسي للنداء والنظام القديم والذي توج بانتصاره في انتخابات 2014 وسيطرته على الرئاسات الثلاث.. فلما تعدل ميزان القوى تعدل الموقف وتلك هي السياسة.

ومنذ ذلك الحين وإلى اليوم جرت في النهر مياه كثيرة وتعدل ميزان القوى تدريجيا لصالح النهضة.. وكلما تعدل ميزان القوى مالت النهضة الي الانفكاك التدريجي من توافق الهيمنة نحو توافق الأنداد ثم رفض التوافق ان كان سيؤدي إلى التوريث الديمقراطي..

ثم جاء الاستعصاء ورفض كل مطالب الباجي حتى رحل عن دنيانا وهو يغرق في العجز والعزلة.. لقد انهار البناء الذي أقامه وتشتت وتصارع.. وظهرت نتاذج ذلك جلية في الدور الأول من الرئاسية.

جاءت الانتخابات الرئاسية في دورها الأول لتعدل اكثر ميزان القوى لصالح الثورة.. ومن يومها أمكن اكثر للنهضة ان تستعيد خطابها الثوري بعد أن ثبتت المسار الديمقراطي وحفظت تونس من الهزات.. وان كانت بعض ارتدادتها قد أصابت النهضة ذاتها.

بقلم نورالدين العويديدي