بفضل تضحيات النهضة .. الثورة تنتصر

قد لا يكون في الوقت متّسع الآن لقراءة مجمل الدروس والعبر والخلاصات التي أفرزتها نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية والإعلان عن تقدم أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد وصاحب قناة نسمة نبيل القروي للدور الثاني من هذه الانتخابات.

ولكن يمكننا أن نخرج باستنتاجات سريعة، وأوليّة، وبديهية، لا تتعلّق بالضرورة بنتائج صناديق الاقتراع، بقدر تعلقها بالانتخابات في حدّ ذاتها ونجاح بلادنا في إنجاز هذا الاستحقاق للمرّة الرابعة، وهو ما يعني ترسيخا للممارسة الديمقراطية ولمسار الانتقال الديمقراطي باعتباره الضمانة الوحيدة لتحقيق أهداف الثورة حتى وإن تأخّر ذلك لبعض الوقت.

سنة 2011 قامت أول انتخابات بعد الثورة، وكان ذلك عنوانا لخروجنا من زمن الثورة بالمعنى التقليدي للكلمة (أي الثورة بما هي هدم لكل البنى وخاصة السياسيّة منها) والدخول في منطق الدولة، لأن الانتخابات تعني مسؤوليّات رسمية، وقانون وأمن واحترام أجهزة الدولة المختلفة ومؤسساتها.

حينها لم تعد الثورة تعني إسقاط النظام فأبناء الثورة باتوا في قرطاج والقصبة والحكومة، وأصبحت الثورة حينها تعني إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي بما هي كتابة دستور جديد للبلاد وتركيز المؤسسات الدستوريّة، وتشكيل هيئات مختصّة لتصفية تركة حقبة الاستبداد.. وإنجاح الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها المضبوطة المنصوص عليها في الدستور.. إضافة إلى تركيز مؤسسات السلطة المحلية وهي الثورة الحقيقية لأنّها ستصل إلى الأعماق وستجعل مركز الحكم موزّعا بشكل عادل بين المركز والجهات.

ولكن أبناء الثورة لم يكونوا لوحدهم في الميدان، وبمجرّد انتهاء انتخابات 2011 بدأ الحديث عن فشل الحكومة، وشُنّت حرب إعلامية هوجاء تواصلت بعد ذلك لمدة 8 سنوات ولم تتوقّف إلى الآن، سُخرت خلالها كل أشكال الدعاية الرخيصة والهابطة والسوقية للنيل من الثورة ومن أعمدتها الرئيسية وهي الأحزاب الفائزة بغالبية مقاعد المجلس التأسيسي على رأسها النهضة فالمؤتمر ثم التكتل.

لكن مسار الثورة حينها كان قد انطلق ولو ببطئ، والمنظومة القديمة، كانت خائفة من أن تأخذ الثورة طريقها ويصعب بعد ذلك إيقافها، ولم تأت سنوات 12 و13 حتى عاشت تونس أوّل اغتيال سياسي بعد الثورة.. اغتيال بلعيد الحدث الذي هزّ تونس وبلغت أصداؤه أنحاء العالم..

يعلم المتابعون، جيّدا أن من اغتال بلعيد كان يستهدف الثورة والانتقال الديمقراطي، وكان يستهدف بالاساس رأس الحربة في ذلك حركة النهضة التي كانت الخاسر الأكبر من ذلك الاغتيال ورغم ذلك حُملت لوحدها المسؤولية عنه.. وكلنا يتذكر التفاصيل التي رافقت الجنازة وما حفّ بها من تطورات.

ولكن الله سلم، مر اغتيال بلعيد بأخف الأضرار رغم أنّه ترك جرحا عميقا في جسم الثورة.. وبدأت البلاد تتعافى وتم القبض على جلّ المشاركين في العملية واعترفوا بالتخطيط والتنفيذ.. وكانت البلاد تتجه إلى تجاوز تلك المأساة إلّا أن القائمين على الثورة المضادّة سارعوا البلاد والتجربة بطعنة جديدة تمثلت في اغتيال البراهمي.. وكان لا بدّ حينها من استراتيجية جديدة تضمن استمرار الانتقال الديمقراطي.

كل القوى اليساريّة والتجمعيّة والدستوريّة التي توحّدت في جبهة الإنقاذ حينها، قايضت النهضة على خروجها من الحكم، وكانت النهضة تقايض خروجها باستكمال الدستور وإنجاز انتخابات برلمانية ورئاسية في موعدها المحدّد في الدستور.

وخرجت النهضة من الحكم وأنجزت انتخابات 2014 التي كان المراد منها تصفية النهضة سياسيا، قبل الإجهاز على التجربة.. وناورت النهضة من جديد ونجحت في المحافظة على الانتقال الديمقراطي ولو بالحدّ الأدنى الثوري.. وهو الحريّة والديمقراطيّة.

ثم كانت انتخابات 2018 البلدية التي هدّد البعض بأن لا تنجز .. وكانت أوّل انتخابات بلدية تنجز في بلادنا في أجواء من الحرية والديمقراطية.. وصولا إلى انتخابات 2019 التي عمل البعض جاهدا على تأجيلها فيما طالب آخرون بعدم إنجازها.. أصلا.. وتمت الانتخابات كسابقاتها وسط إشادة العالم كله.

مسار طويل وصعب مرّ به انتقالنا الديمقراطي، وتضحيات جسام قدّمتها شخصيات وأحزاب وطنية على رأسها حركة النهضة من أجل الوصول إلى هذه اللحظة.. حتى اتهمت من قبل البعض بالانبطاح “والتكتكة” وو..

كانت النهضة تدرك أن كل يوم يمرّ دون أن يقع في تونس ما وقع في اليمن وسوريا ومصر، هو نصر للثورة وخطوة في اتجاه التمكين لها، وتقويتها، في مقابل “تفتت” و”تشقق” المنظومة القديمة، كل يوم يمر هو نصر للثورة وهزيمة للثورة المضادة.. لذلك كان هناك سباق مع الساعة من قبل الطرفين، وفي ذلك حيكت مؤامرات لا يعلم عددها الا الله.. ولكنها كلها فشلت ولم تصل منظومة الثورة المضادة إلى موعد 2019 إلّا وهي منهكة مفككة ولم تعد قادرة على لملة صفوفها..

اليوم تحرّك قطار الانتخابات، وأصبحنا أمام ديمقراطية مبهرة وملهمة، ولم يعد بالإمكان إيقافه أو التلاعب بها، وأصبح انتظام الانتخابات حقيقة ماثلة ولم يعد بالإمكان مطلقا العودة للاستبداد أو تزوير إرادة الشعب..

اليوم رئيس الحكومة ووزير الدفاع ينهزمان في الصندوق وعبر الانتخابات، ومن قبلهما انهزم المرزوقي وهو رئيس جمهورية سابق، كما انهزم رئيس مجلس النواب بالنيابة.. في الوقت نفسه ينتصر شخص من عامة الشعب دون لوبيات مالية ولا دعم من منظمات ولا أحزاب، ودون أن يقيم ولو تجمّعا شعبيّا واحدا… وهذا ما لا نجده حتى في أعرق الديمقراطيات لان هذه الديمقراطيات تحكمها اللوبيات والمال والاعلام ..

اليوم منظومة الثورة تنتصر ضد منظومة الثورة المضادة، ومخطئ من يعتقد أن التصويت لسعيد كان ضد السيستام، بل هو عودة قوية للثورة ضد المنظومة القديمة التي انهارت مع الزبيدي والشاهد وعبير ولم يعد لها من خيار إلّا الاصطفاف وراء الفساد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فالذين صوتوا لسعيد كان جزء منهم من أبناء “السيستام”، وجزء منهم من أبناء النهضة وهذا ما أكّدته كل عمليّات سبر الآراء.

الثورة انتصرت مجددا، وعندما نقوم بعملية حسابية بسيطة نجد أنها حصدت 60 % من الأصوات وهو أفضل رد على الثورة المضادة، ودرس قاس لنداء تونس الذي فشل في الاستفادة من الفرصة التي منحت له بفعل تجربة التوافق .. فمنظومة الثورة المضادة كابرت وتعالت وظنت بعد 2014 أنها عادت وتمكنت من جديد لذلك استهانت بشريكها في الحكم، واستهانت بالتجربة كلها وبالفرصة التي منحت لها.. وكانت تلك القاضية بالنسبة لها ..

… سعيّد كان الصوت الأعلى والأكثر إقناعاً، ومرشح النهضة دفع فاتورة عقلانيته وحكمة حزبه التي أنقذ الثورة التونسية ودفعت من رصيدها الكثير في صراعها مع المنظومة القديمة طوال 8 سنوات من عمر الثورة..

هل يعني أن النهضة لم تخطئ؟ بالتأكيد لا، فالنهضة أخطأت، ولعل أبرز أخطائها أنّها لم تعمل على تجميع قوى الثورة من حولها في معركتها مع الثورة المضادة، حتى نجحت الأخيرة في عزلها والانفراد بها، في معركة سحق للعظام لم يشهد التاريخي السياسي التونسي مثيلا لها.. النهاية كانت ضربة قاسمة للمنظومة القديمة، والنهضة تخرج من المعركة منتصرة رغم أن الجراح قد أثخنتها..

ولكنها ضريبة كان لا بدّ من دفعها كي نصل إلى هذه اللحظة التاريخية… ولولا تلك التضحيات ما كانت هذه الانتخابات ..

انتهى الدرس يا رفيق.

بقلم محمد الحمروني