لإنجاح مرشّحها للرئاسية: حالة استنفار في صفوف شعب النهضة والغنوشي يبرق برسائل صارمة لهؤلاء

لم يكن الأستاذ راشد الغنوشي يمزح او يزايد على أحد حينما قال أمس الأول لإحدى الاذاعات: (شعب النهضة ماهوش غنم، شعب النهضة باش يصوت للشيخ مورو وماهوش باش يضيّع حتى صوت من النهضة)، فالرجل كان واعيا تماما بما يقول، وكان يوجّه رسائله، أو كلمات الانضباط، أو ما يسمّى عسكريا بالأمر اليومي، لكل أبناء حركته أن لا خيار أمامكم إلا التصويت لعبد الفتاح مورو، وأن لا مجال اليوم للاختيار أو إعمال العقل أو التروي أو حتى محاولة الفرز بينه وبين مترشحين آخرين قريبين منه.
ورسالة الغنوشي كانت حادة وصارمة وواضحة ولا غبار عليها، أما وجهتها والى من يبعث بها، فتلك مسألة أخرى يمكن تصنيفها كما يلي:
ـ الرسالة الاولى الى مخترع عبارة (شعب النهضة) الدكتور منصف المرزوقي الذي تطاول على حركة النهضة في افتتاح حملته الانتخابية في صفاقس، وقال عنها أنها حليفة للسيستام، وأنها تُزكّي النظام القديم والفاسدين مقابل السكوت عليها في الحكم، وقال أيضا أن الكثيرين من شعب النهضة سيصوّتون له.

وهو الموقف الذي هزّ الغنوشي، واعتبره تحدّيا سافرا له ولسلطته على حركته وعلى أنصاره، وهو الذي دفع بالشيخ عبد الفتاح مورو، شريكه ورفيق دربه والذي قال عنه في نفس المقابلة الاذاعية (هو أحد شخصين أسّسا الحركة منذ يومها الأول) الى هذا المُعترك، وهو الذي يتحمّل مسؤولية فوزه أو خسارته، وبالتالي لا مجال عند الغنوشي لأي شخص مهما كانت علاقته بالنهضة، لان يتحرشّ بشعبها، أو يحاول استمالته، او التأثير فيه وعليه، لجلب أصواته، لان ذلك يعني ببساطة ضرب عبد الفتاح مورو، أي ضرب لخيار ورهان الشيخ راشد الغنوشي، الذي لا يمكن أن يتساهل في مثل هذه المواقف.
ـ الرسالة الثانية لقواعد النهضة، الذين كانوا في البداية مترددين وغير مستوعبين في مجملهم لمسألة ترشّح الشيخ مورو، لكن سرعان ما تداركوا الامر، وصدرت الاوامر حازمة صارمة من مونبليزير، أن لا تهاون، وان الحركة رشّحت الشيخ عبد الفتاح ليفوز وليس ليحصّل بعض الفواصل، وان المسألة مسألة كرامة الحركة الان التي أصبحت في الميزان، وأن ما سبق من خلافات وصراعات يجب أن يُطوى، وأن كل الجهود يجب أن تنصبّ على انجاح حملة الشيخ مورو وعلى فوزه، ومروره الى الدور الثاني، ولا نقاش في ذلك.

كثير من المراقبين لاحظ في الاربعة أيام الاخيرة الحراك غير العادي الذي دخل على كل مقرات الحزب جهويا ومركزيا، وعلى اللجان التي تكونت للمساندة، والجحافل التي نزلت تطوّعا من أبناء الحركة لخدمة حملة الشيخ الرئيس عبد الفتاح مورو، ولاحظوا أيضا كيف نسيت قيادات الحزب الكبرى، كعبد الحميد الجلاصي وعبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم، ونزلت كلها الى الميدان، بل إن هذه القيادات تشتغل ليلا نهارا وبكل جهدها من أجل أن ينجح الأستاذ عبد الفتاح ويمرّ إلى الدور الثاني أو حتى إلى الرئاسة. ويتحدّث كثيرون من داخل الحركة عن رجوع كل من كان غاضبا، أو شبه مستقيل، وكل من خرج من مؤتمر الكرم ومن مؤتمر رادس، وكل من بقي يتفرّج خلال السنوات الاخيرة، واندماجهم الفوري في خدمة الحملة الانتخابية.
ـ الرسالة الثالثة للآخرين المختلفين من أبناء الحركة والقريبين منها، والذين قد يُخيّل إليهم أن الغنوشي سيسمح للبعض بالاختيار، وأنهم قد يطمعون في بضعة آلاف من أصوات الحركة، كحمادي الجبالي أو سيف الدين مخلوف، أو حتى المنشقّ أخيرا حاتم بولبيار، ومفادها ان الحركة لها مرشّح واحد وصوت واحد ولا مجال لمجرّد التفكير في عكس ذلك.
ـ الرسالة الرابعة للخصوم والمنافسين، مفادها أن الحركة حزمت أمرها، وأن لها مرشّحا قويا، وانها هي الحزب الأول والأقوى في البلاد وأنها تراهن على مرشحها بكل قوة، وأنها لن تسلّم بسهولة لأي كان، وأنها قبلت النزال مُكرهة لكنها ستكون في مستوى هذا النزال وأن مرشّحها يجب أن يفوز، وأن لا يفكّروا في عكس ذلك.
ـ الرسالة الخامسة للخارج، لأولئك الذين رفضوا ربما أو ترددوا في مدّ اليد إلى الحركة عندما زارتهم حتى في عواصمهم ومعاقلهم، وعندما حاولت أن تفتح دروبا للحوار والتفاهم، لكنهم رفضوا أو لم يحبروا جوابا واضحا، ومفادها أننا أقوياء، وأننا ذاهبون إلى الحكم إن أعطانا الصندوق، وأن لا خيار لكم ساعتها إلا أن تتعاطوا معنا كحكام منتخبين، بعد أن رفضتم حين جئناكم باحثين عن شريك ومشورة.
تلك هي رسائل الغنوشي التي لا تخطئ مرماها عادة، والتي يعرف كيف يبعثها ويعرف العناوين جيدا، والأمر بات واضحا الآن ولا يقبل التشكيك ولا حتى التذاكي الذي يفوق الخيال أحيانا، والنهضة قدّمت مرشّحها، وتنزل وراءه بكل قوة، وستراهن على الفوز بكل ما أوتيت.

محمد بوعود