الديمقراطية والانتخابات البلدية / بقلم حافظ الوسلاتي

يعتبر الحكم المحلي مرحلة هامة من مراحل الانتقال الديمقراطي التي شرعت في نظم حلقاته الأولى بإصدار مجلس نواب الشعب مجلّة الجماعات المحلية تزامنا مع الانتخابات البلدية التي أشبع موعدها تأجيلا وتشكيكا وبعد مخاض عسير كاد أن يذهب بريحها ويدفع بالبلاد نحو مزيد من المخاطر و الإخفاقات.
تعدّ الانتخابات الأخيرة الرابعة في تونس الثورة ولبنة من زاوية، فرغم اختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر حول نتائجها ونسبة المشاركة الضعيفة فيها فإنّ أغلب آراء الملاحظين والفاعلين السياسيين تتجه نحو تقدير المنجز و تقرّ بأهميّته السياسيّة وطنيّا ودوليا.

ما الّذي رشح من نتائج وملاحظات بعد إنجاز الانتخابات الأخيرة وما الّذي يمكن أن تضيفه للانتقال الديمقراطي ؟
الانتخابات البلدية في تونس بين المستقلين والأحزاب :

كانت النتائج مفرحة للبعض ومخيبة للآمال لبعض آخر و مخجلة في نسبة المشاركة وكمثيلاتها السابقة أربكت هذه الانتخابات الساحة السياسية وزادت من الحيرة كما بعثت برسائل غير مطمئنة لا من نسب التصويت فقط بل أيضا من النجاح التي حقّقته القائمات المستقلة على حساب القائمات الحزبيّة وإحرازها على عدد هام من المقاعد في المجالس البلدية.

لقد لعب المستقلين دور الجوكر داخل الأحزاب أو خارجها وهو استثناء تونسي أخر ولم يعد للأحزاب خيار سوى الانفتاح أكثر ما يمكن على المستقلين لحصد الأصوات ممّا يشوّه الحياة السياسيّة و يزيدها ابتذالا ودفعا نحو “لا تحزب” فالاستقلاليّة ضمان للتواجد في العمل السياسي دون كلفة تذكر.

هل أصبح التحزب والانخراط في العمل السياسي غير جاذب و اللّجوء إلى لعب ورقة الاستقلاليّة مغري ؟

إنّ ولوج المستقلين المعترك السياسي لا حرج فيه و لكن تحوّلهم إلى اللاّعب الرئيسيّ بحصولهم على النّسبة الأكبر من الأصوات مؤشر معطّل لبناء ديمقراطيّ أعمدته الرّئيسيّة الأحزاب فهي المعنيّة الأولى بالانتخابات من أجل تنزيل برامجها عند الفوز وتحمل المسؤولية السياسيّة لخياراتها عند الفشل بمحاسبتها شعبيا ومعاقبتها بالتصويت.

إنّ موضة الاستقلاليّة ،السائدة الآن ، تعني التنصل من المسؤولية السياسيّة الجماعيّة فالمستقل يعنيه النجاح الفردي إذا حالفه ولا يعنيه الفشل في شيء (سياسيا) “داخل في الربح وخارج من الخسارة” وأقصى عقوبة ستلحقه هو تقديم استقالته والخروج من الشباك ليعود من حيث بدأ و الاكتفاء بالمراقبة وانتهاز الفرص القادمة.

إنّ الرهان على المستقلين سرّا أو علانيّة، سواء من أجل الانفتاح على الكوادر والطاقات المجتمعية ذات الشعبية والإشعاع أو البحث عن الأصوات السندويتش السريعة الالتقاط، يعبّر عن عجز الأحزاب على تنمية مواردها البشرية و تأهيل أعضائها لتحمل المسؤوليّات القياديّة جهويا أو محليّا ويبرهن عن عدم قدرتها على الاستقطاب والانفتاح من خلال برامجها وأدائها السياسي.

نتائج و أرقام:

الأحزاب: بين فائز و خاسر

تختلف قراءات الأحزاب لنتائج الانتخابات ، بعضهم يريد توظيفها وتطويعها لقناعات مسبقة تستثمر في الجزء الفارغ من الكأس وآخر ينظر لها بعين واحدة عين المنتصر الفائز بالمرتبة الأولى حتى وإن تراجعت نتائجه بصفة ملحوظة عن المرتبة الثانية التي أحرزها في امتحان سابق.

كما تستغلّ الأرقام من طرف القوى السياسيّة غالبا سواء لتسويق مسارات وخيارات داخليّة حزبيّة كثر الجدال حولها وازدادت الشكوك في مدى نجاعتها أو لتسجيل نقاط لهزم خصم سياسي إعلاميا بتحجيم تفوقه وتقزيم انجازاه .
يمكن تفهم تصاعد الصراع السياسي الذي يميّز دائما مرحلة ما بعد ظهور النتائج ولكن لا يمكن لهذا التدافع الحزبي أن تكون الشجرة التي تحجب الغابة وتجعلنا نفقد بوصلة التقييم الموضوعي إفراطا أو تفريطا.

المواطن:” العزوف و التصويت للمستقلين ”

تتيح قاعدة البيانات الرقميّة و نسب التصويت في كلّ عمليّة انتخابيّة الفرصة ليتناول النتائج المسجلة مقارنة وتقييما لفهم مدلولاتها حيث تغلب لغة الأرقام على الحوارات والنقاشات.

نفور الناخب من القيام بواجبه ثقافة تترسّخ شيئا فشيئا عنوانها : ما الجدوى من انتخابات فقدت معناها و اقتصرت على وضع الورقة في الصندوق ولم تحقّق ما أمله منها من إصلاحات ووعود تشنف الآذان عند الحملات بل على العكس يشعر المواطن، إثر كلّ عمليّة انتخابيّة، بخيبة تعيده إلى نقطة متأخرة أكثر عن سابقاتها تستمر فيها الأزمات وتتفاقم على جميع الأصعدة.

إنّ الوضع الاقتصادي و الاجتماعي الصعب في تونس له الأولويّة القصوى في اهتمامات المواطن الذي يعتبر ذهابه إلى الصندوق لم يحقّق له طموحاته بل زادت من مشاكله اليوميّة ولن يغير شيئا في الواقع ، فلا زال المناخ السياسي واجتماعي في حالة توتر وتدهور دائم.

لا ينبغي السقوط في التبرير بالقول أنّ النفور من الانتخابات أمر طبيعي يحصل في أعرق الديمقراطيات فهو رأي به مغالطة كبيرة حيث لا تجوز مقارنة سياقات مختلفة حتى وإن تشابهت نتائج نسب التصويت فيها، لأنّ عزوف الناخب في شعوب تشبّعت بثقافة الحوار والتداول السلمي على السلطة تختلف مبرراته وأسبابه عن تونس التي مازالت في مرحلة التأسيس والتجربة، فالحريات و الديمقراطية في تلك البلدان خبز يومي لا يمكن الاستغناء عنه وثقافة مكرّسة، وعدم الذهاب للصندوق لا يعني اهتزاز الثقة في الديمقراطيّة ونظامها أو التبرؤ منها ، في المقابل ، نفور الناخب في تونس عن التصويت له مبرّرات و أسباب تهدّد العملية برمتها ، الشعور باليأس من تحسن الوضع الاقتصاد يدفع نحو ابتذال الديمقراطية وحتى تجريمها كما يروّج له بعض ليخلص إلى البحث عن بديل يضمن الاستقرار ورغد العيش بأي ثمن.
كيف يمكن اليوم استثمار العمل البلدي في ترسيخ الديمقراطيّة ؟