قيامة أردوغان / بقلم نور الدين العويديدي

يتابع المشاهدون العرب مسلسلا تركيا شهيرا يسمى “قيامة أرطغرل”، يؤرخ للدور البارز الذي لعبه “أرطغرل بن سليمان شاه”، والد مؤسس الدولة العثمانية عثمان بن أرطغرل، في التمهيد لتأسيس إمبراطورية بني عثمان التي حكمت شطرا كبيرا من العالم القديم. وقد نجح هذا المسلسل نجاحا باهرا في الساحتين التركية والعربية، ووصل صداه أمريكا وأوروبا وسائر قارات الدنيا، من حيث نسب المشاهدة، ومن حيث التأثير الواسع في المشاهدين في ما يتعلق بإعادة قراءة تاريخ مرحلة مهمة من حياة العرب والمسلمين، وهي مرحلة الحروب الصليبية والهجمة التتارية المغولية على المنطقة.

يتميز المسلسل بحبكته الدرامية العالية، بحيث تمكن من شد اهتمام المشاهدين بقوة، وجعلهم يتعلقون به بشدة، وينتظرون كل أسبوع بفارغ الصبر تطورات أحداثه وتقلب حياة شخصياته. كما نجح فنيا بقوة الصورة، وبراعة الإخراج والمؤثرات الصوتية والأساليب الفنية العالية.

لكن تميز المسلسل لا يقف عند هذا الحد، فما ميزه عن سيل المسلسلات الكثيرة في تركيا وغيرها، إنما هو ما يزرعه من قيم العزة القومية وقيم التضحية والبذل ونكران الذات، والعمل الشاق من أجل المصلحة العامة، والمثابرة في التوجه قدما لتحقيق الأهداف، مهما كانت الصعوبات والتحديات، مع الثقة في الله والتعويل عليه حين تضيق الدنيا بصاحبها وتتكاثر عليه الهموم والمصائب، بما جعل بطل المسلسل ومن حوله من أبطال ثانويين نموذجا للقوة والتدين الصادق والصبر والبذل دون حساب، وهو ما جعل المسلسل يدشن ثورة قيمية في عالم الدراما التاريخية.

تركيا الجديدة امتداد لتاريخها

بعيدا عن التاريخ والدراما التاريخية، وتواصلا مع الحقيقة والواقع الحي، تعيش تركيا اليوم تحت قيادة رئيسها رجب طيب أردوغان قيامة أمة ونهضة شعب. وقد أتيحت لكاتب هذه السطور أن زار إسطنبول مؤخرا بدعوة كريمة من بلدية إسطنبول الكبرى للمشاركة في ملتقى إسطنبول للصحفيين العرب، وهو حدث شارك فيه نحو 50 من أكبر الصحفيين من 18 بلدا عربيا، للتعرف على نهضة الأتراك وجهودهم الجبارة في بناء بلدهم، وقد رأى من أمر هذه الأمة الصاعدة عجبا.

– فقد أبهرني أن المسؤولين الأتراك من رئيسهم إلى وزير خارجيتهم، مرورا برئيس بلدية إسطنبول ووزير الشباب والرياضة ومدير وكالة الأناضول للأنباء ورئيس اتحاد الألعاب الرياضية التقليدية ومدير عام مطار إسطنبول الجديد ومدير “ترك تيليكوم” وغيرهم من المسؤولين.. تسمعهم يتحدثون نفس الكلام عن نهضة تركيا، وعن ضرورة العمل والبذل والتضحية، وعن ضرورة مقاومة التدخلات الخارجية في الشأن التركي، وعن الحاجة الماسة للعمل المشترك بين تركيا والعرب لتحقيق النهضة والتحرر من هيمنة الغرب وتدخلاته الاستعمارية، ما يوحي بأن ثمة مشروعا يتكلم بلسان المسؤولين ويعبر عن نفسه من خلالهم.

– ما يبهر أكثر من الكلام؛ هو قدرة هذا البلد الناهض على التفكير الاستراتيجي وعلى التخطيط بعيد المدى، والإنجاز والإبداع والبناء والتعمير، ومحاولة التفوق على الذات باستمرار. وفرض الترك ذاتهم أمة ناهضة ودولة صاعدة، في عالم تتزايد فيه المنافسة وتحتد من أجل ضمان الدور التاريخي وتوسيع مدى النفوذ الناعم والصلب، وتقوية الاقتصاد والقدرة على النمو والتجدد والإضافة، وذلك بجهود ذاتية محضة، وباستثمارات تركية 100 في المئة من دون الحاجة للخارج، بل على الرغم من مساعي بعض القوى الدولية المعادية للعرقلة والتعويق.

– فهذا البلد الناهض ينجز ست مشاريع عملاقة من أكبر 10 مشاريع في العالم، تتعلق بجسور وأنفاق وطرق سيارة، ومطار هو الأكبر من نوعه في العالم، ينتظر أن يفتتح في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وذلك في الذكرى 95 لإعلان الجمهورية التركية. ويعتبر إنجاز هذا المطار دليلا إضافيا على قدرة تركيا، وتعبيرا من تعبيرات نهوضها وانعتاقها من التبعية الفنية والتقنية للغرب. فهذا المطار الذي يكلف إنجازه 10.6 مليار يورو، ينجز بخبرات هندسية تركية 100 في المئة، وسيكون الأكبر من حيث قدرته على استقبال الطائرات والمسافرين، إذ سيكون بوسعه بعد انتهائه في العام 2026 استقبال نحو 200 مليون راكب في العام، ويمكن تركيا من المساهمة في النقل الجوي الدولي بنحو خمسة ملايين طن في العام.

– أهم ما يميز تركيا، وهي تبني هذا المطار الضخم وتستعد لتشغيله، أنه ينجز بأموال تركية 100 في المئة، إذ تشترك خمس شركات تركية كبيرة وبنوك تركية في تمويله، دون أن تساهم الدولة بأي فلس في إنجازه. فهذا المطار، كما حدثنا المدير العام القائم على إنجازه والإشراف على بنائه، أقيم فوق قطعة أرض أعطتها الحكومة لتلك الشركات على شكل إيجار يستمر 25 عاما، تتلقى الدولة بموجبه مليار يورو كل عام ثمن إيجار الأرض، وبعد مرور المدة المقدرة بـ25 سنة يعود المطار للدولة، التي لم تنفق فلسا واحدا على إنجازه، وهو ما يكشف عبقرية الأتراك في إيجاد صيغ الشراكة بين القطاعات العامة والخاصة، واجتهادهم وجديتهم في العمل. وقد بدأ هذا المطار حتى قبل إتمام إنجازه يجذب الشركات الدولية الكبرى للاستقرار فيه، إذ تعتزم شركة “DHL” الشهيرة افتتاح مكتب إقليمي كبير فيه.

– ليس البناء والتعمير والنهضة العمرانية والحضارية والجمال والنظافة والنظام هو فقط ما يميز تركيا اليوم. فوعي البلد بذاته الحضارية، ومساعيه في نهوضه بأن يكون قريبا من أشقائه العرب والمسلمين، وأن لا يكون نهوضه على حسابهم، أو بعيدا عنهم، هو من أبرز خاصيات النهضة التركية الأردوغانية الحديثة. فتركيا أردوغان ليست تركيا العنصرية المتكبرة على جيرانها من العرب، المتمسكة بتلابيب الغرب وذيله، كما كانت قبل عقود، بل تركيا المنفتحة على أجوارها الساعية في خيرها وخيرهم. إذ تستضيف تركيا دون منّ ولا أذى 3.5 مليون لاجئ سوري، أنفقت عليهم منذ دخولهم أراضيها 31 مليار دولار، وأدمجت الكثير منهم في أنظمتها الصحية والتعليمية، بما جعل نحو 700 ألف تلميذ وطالب سوري يدرسون مجانا في مدارسها ومعاهدها وجامعاتها.

– يشعر المسؤولون الأتراك بالحسرة الشديدة وهم يرون المسؤولين لدى جيرانهم العرب يبذرون ثرواتهم ويدمرون شعوبهم ومصادر قوتها، ويتهافتون على إرضاء الغرب وعلى الخضوع التام لإسرائيل، عدوهم اللدود. ورغم قناعة الأتراك بأنه لا حصانة لنهضتهم واستقلال قرارهم، وديمومة ذلك الاستقلال، ومراكمة النهوض والتحرر من ربقة الهيمنة الغربية، ما لم ينهض معهم إخوانهم العرب، فيحمي أحدهم الآخر، كما في قصة الحمامات التي وقعت في الشرك، في كتاب كليلة ودمنة. إذ لن تتحرر أي واحدة منهن إلا بطيرانهن جميعا في ذات اللحظة، حتى يتخلصن جميعا من الفخ، وهو المثل الذي استشهد به مدير وكالة الأناضول، أثناء حديثه للصحفيين العرب عن دور تركيا في العالم العربي، فإن ذلك الشعور وتلك القناعة هي ما يدفع تركيا للترفق بجيرانها، ونقد مسؤوليهم أحيانا ولو بحدة، من منطلق المصارحة والتنبيه على الخطر الداهم.

– إن تركيا الناهضة التي تستمد من تاريخها من المواقف والرؤى والتقاليد والقيم، ما يصلب موقفها ويوحد شعبها خلف قيادته، ويدفع شعبها للعمل بتفان وإتقان وإخلاص.. تبدو اليوم فخورة بقدرتها على مجابهة الضغوط الخارجية، مهما كانت قوية عاتية، وعلى تنمية اقتصادها بمعدل بلغ العام الماضي 7.4 في المئة، في محيط معاد ومضطرب، متسلحة بوحدة متينة بين شعبها وحكامه. وهي تستعيد اليوم المحاولة الانقلابية التي وقعت قبل نحو عامين، وتمكنت الحكومة من دحرها؛ متسلحة بإخلاص الشعب والأمن والجيش لرئيسه، باعتبارها واحدة من أعظم ملاحم الشعب التركي في العصر الحديث، وهي تمثل خير تواصل مع ملاحم تاريخها البعيد والقريب، ما يجعل من مسلسل “قيامة أرطغرل” معينا ثريا تغترف منه تركيا المعاصرة، وهي تدشن واقعا “قيامة أردوغان” وشعبه.