تورّطت فيها قيادات سياسية…رشوة ضخمة لتمويل الانتخابات في القيروان

بتاريخ 6 فيفري 2017 نظّمت الشبيبة الرياضية بالقيروان حفل تكريم لتاجر الملابس المستعملة المدعو شكري الشنّيتي وذلك على خلفية دعمه للجمعية بحافلة ضخمة. وأثناء تكريمه صرّح الشنيتي لراديو صبرة أف أم أنّه مطالب من مصالح الضرائب بخطايا مالية تجاوزت 6 مليارات.

وبتاريخ 28 و29 نوفمبر 2017 كان رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد بصدد آداء زيارة إلى ولاية القيروان، وهي الزيارة التي تزامنت مع احتفالات المسلمين بالمولد النبوي الشريف. هذا وقد أشرف على تنظيم المجموعات التي ستكون في استقبال الشاهد خلال الزيارة إلى هذه المدينة التاريخية كلّ من النائبة في البرلمان عن حزب نداء تونس أنس الحطّاب والقيادي بالنداء كاتب الدولة للتنمية المحلّية شكري بن حسن.

أثناء هذه الزيارة استقبل رئيس الحكومة عددا من رجال الأعمال بالجهة ومن بينهم كان شكري الشنّيتي الذي يقتصر نشاطه على استيراد الملابس المستعملة وإعادة تصدريها برخص مكتراة.

كان الشنّيتي يبحث لنفسه عن مخرج من ملفات الضرائب الديوانية والخطايا المسلّطة عليه جرّاء مخالفته على مدى سنوات للتراتيب والقوانين واستعماله للحيل من أجل المتاجرة بجزء هام من البضائع داخل السوق المحلّية بطرق غير قانونية.

وتؤكّد مصادر ذات طابع أمني وسرّي لدى المصالح الأمنية والديوانية أنّ الشنّيتي نجح في تشكيل شبكة من الداعمين له من أوساط الديوانة والشرطة في القيروان وأيضا من الوسط السياسي وذلك مقابل عمولات مالية لهؤلاء.

في هذا السياق جرى لقاءان بين كلّ من النائبة أنس الحطاب والشنيتي حيث تعهّدت عضوة البرلمان عن جهة القيروان بأنّها ستجد مخرجا للشنيتي من الملاحقات الديوانية والضريبية مقابل تعهّده بتمكينها من عمولة لم يحدّد مبلغها. وبالفعل أجرت النائبة المحترمة اتصالاتها بأصدقائها ونجحت في تمكين الشنيتي من الدخول ضمن وفد رجال الأعمال الذين صافحهم رئيس الحكومة أثناء زيارته.

المصادر نفسها تؤكّد أنّ اتصالات هاتفية جرت بين الشنيتي ومستشار رئيس الحكومة آنذاك فيصل الحفيان الذي تعهّد بالتوسّط لإيجاد حل في الموضوع. كما تعهّد والي القيروان الأسبق شكري بن حسن، تحت تأثير النائبة بالجهة، ببذل جهده للتخفيف على الشنيتي من حجم الخطايا الضخمة التي سلّطت عليه هذا إضافة إلى شخصيات أخرى جهوية.

سقوط المموّل وبقاء العصابة

وصلت إشارة أمنية وسياسية إلى يوسف الشاهد تؤكّد تورّط فيصل الحفيان في اتصالات بإطارات ديوانية في هذا الملفّ وهو ما تسبب في إحراج كبير لرئيس الحكومة الذي وجد نفسه مضطرّا إلى إبعاد الحفيان إلى الجنوب التونسي عبر تعيينه بتاريخ 7 ديسمبر 2017 رئيسا مديرا عاما لشركة “سارقاز” دون معاقبته أو فصله. وتمّت لملمة موضوع الحفيان بوساطات سياسية من أعلى مستوى وبتدخّلات من مستشارين لدى الشاهد.

ليلة الإربعاء 20 ديسمبر 2017 تمكنت فرقة أمنية مختصة من اعتقال شكري الشنيتي الذي كان يحاول مغادرة التراب التونسي عبر مطار تونس قرطاج وأودع بالإيقاف التحفّظي في انتظار استكمال التحقيقات. وجّهت للشنيتي تهم الاستيلاء على رصيد من الأموال والصكوك البنكية التابعة لعائلة الطرابلسي أصهار الرئيس المخلوع بن علي إضافة إلى جرائم تهريب بضائع وتهرّب ديواني وغسيل أموال.

بتاريخ 4 جانفي 2018 أصدر قاضي التحقيق بالمكتب عدد 26 بطاقة إيداع بالسجن في الشنيتي ومساعدين مقرّبين منه وتمّت دعوة 10 عناصر آخرين للتحقيق معهم إضافة إلى أربعة إطارات ديوانية متورّطون مع المتّهم الرئيسي. وقد بلغ الحجم الجملي للخطايا المسلّطة على الشنيتي وباقي عناصر الشبكة أكثر من 150 مليار بما يعني أنّ حجم المخالفات وعائدات جرائم التهريب المذكورة ضخمة جدّا.

العصابة تبتزّ ضحيّتها وتسطو على القيروان

أودع الشنّيتي بالسجن بفضل مجهود وطني كبير للفرقة المركزية للأبحاث الديوانية وخفت صوته المرتفع عندما كان يوزّع الأموال ويسيطر على المشهد السياسي والجمعياتي في القيروان. ولكنه في الآن نفسه أصبح عجينة سهلة لدى الأطراف التي ابتزّته للحضور في لقاء رئيس الحكومة وبات مستعدا لتقديم جزء ضخم من ثروته لكل من يساعده على الإفلات من العقاب.

وبعد الاتصال بالمقربين من الشنّيتي نجحت النائبة عن نداء تونس وشركاؤها في الحصول على رشوة بـ3 مليارات تمّ تقاسمها بين القيادات السياسية والرسمية التي تحاول إلى اليوم إيجاد مخرج للشنّيتي.

وبالرّغم من فداحة الممارسات التي ارتكبتها النائبة أنس الحطاب في هذا الملف إلاّ إنّها تمكّنت من السيطرة على الحملة الانتخابية للبلديات بولاية القيروان معتمدة على أموال الرشوة الضخمة التي تحصّلت عليها في حملتها الدعائية ومسيئة في الآن نفسه إلى حزب نداء تونس الذي ائتمنها. وقد وفّرت الحطّاب بذلك إمكانيات مالية لشراء الأصوات ولدفع معاليم إقامة حفلة دعائية ضخمة تعتزم تنظيمها بقاعة المرحوم عزيز ميلاد يوم الخميس القادم كما نجحت في توظيف عناصر ميليشيات ومرتزقة لضرب القائمات المنافسة لها وللاعتداء على تظاهراتها الانتخابية.

وتستند الحطّاب على شراكة قوية مع كاتب الدولة الحالي شكري بن حسن وقد وضعت شقيقتها التوأم أنيسة الحطّاب في الترتيب الثاني في القائمة الانتخابية كما منحت الترتيب الخامس لمدير إذاعة صبرة أف أم الذي تحصّل بمعلوم كراء رمزي على أرض أثرية على ملك الدولة تقدّر بقرابة 30 هكتارا مجاورة لمتحف رقادة الأثري مكّنه منها شكري بن حسن عندما كان واليا في القيروان وذلك في سياق مجهود مشترك في التنقيب عن الآثار ذلك أن كاتب الدولة لديه سوابق في هذا النشاط ودوائره باتت مفضوحة للعموم.

 

ويعتبر متابعون للشأن السياسي أنّ الانتخابات البلدية في دائرة القيروان المدينة تكتسي أهمية ضخمة لدى أنس الحطاب وشبكتها وذلك راجع إلى حجم الصفقات التي تنوي أنس الحطاب تنفيذها من خلال المجلس البلدي المرتقب. فقد تعهّدت لعدد من الأثرياء على شاكلة الشنيتي في حال فوز قائمتها بأن تمكنهم من رخص وتسهيلات وعقارات على ملك البلدية على غرار ملعب علي الزواوي الذي تنوي التفويت فيه لمستثمر عقاري فضلا عن رخص المطاعم السياحية.

هذا وبالرّغم من تاريخها العريق واعتبارها أهمّ مدينة في المغرب الإسلامي تعاني القيروان من سياسة تهميش ممنهج استهدفتها بالإقصاء والتفقير على مدى عقود منذ نظام بورقيبة وهو ما جعلها تحتلّ المرتبة الأولى من حيث نسب الانتحار والجريمة والبطالة والفقر والأمراض المعدية ومن المنتظر أن يستمرّ تهميش القيروان باعتبار نفوذ ثلّة من الانتهازيين والفاسدين في الجهة.

بقلم : صديق الميساوي