أزمة الصناديق الاجتماعية: أين تبخّرت أموال المتقاعدين؟

سؤال يُطْرحْ بشدّة بالتوازي مع الحديث حول أزمة الإفلاس التي تعيشها الصناديق منذ سنوات عديدة بلغت مئات المليارات ويبدو أن الوضع يتجه نحو مزيد من التأزم ما لم يتم إيجاد حلول عاجلة وأخرى طويلة المدى.

تطرح الحكومة الترفيع في سن التقاعد كحلّ لامتصاص أزمة الصناديق الاجتماعية وخاصة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والذي بلغ عجزه المالي نهاية 2015 حوالي 420 مليون دينار ومن المتوقع ان يصل 546 مليون دينار خلال نهاية العام الحالي.

وهو مقترح يراه الخبراء تماما كما تراه اكبر المنظمات النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، تأجيلا للأزمة وترحيلا لها للسنوات القادمة تماما مثلما رحّلت مسألة الترفيع في المساهمات .
أزمة مزمنة

هذه الازمة التي تتخبط فيها الصناديق الاجتماعية ليست بالوليدة بل هي أزمة مزمنة ظهرت أولى علاماتها بداية التسعينات حيث أقرت السلطات سنة 1994 الترفيع في نسبة المساهمة بعنوان أنظمة التقاعد في القطاع العمومي لتصبح 2.2 نقطة موزعة كالتالي : 1.2 نقطة على كاهل المؤجر ونقطة على كاهل الأجير.

ولأن الازمة استمرت خلال السنوات اللاحقة ومعها استمرت سياسة الترقيع باعتماد حل الزيادة في المساهمات تم الترفيع بداية 2007 في نسب الاهرامات بعنوان مختلف أنظمة التقاعد في القطاع بثلاث نقاط إضافية (1.8 نقطة على كاهل المشغل و1.2 نقطة على كاهل العون) وبداية من جويلية 2011 تم الترفيع مجددا بنقطة إضافية على كاهل المشغل.

وأمام وضع إقتصادي وديموغرافي وإجتماعي متغيّر ابرز ملامحه ارتفاع نسبة البطالة وزيادة عدد المتقاعدين وبلوغ نسبة المتقاعدين بشكل مبكّر 22 ‎%‎ من مجموع المتقاعدين زاد الوضع سوءا بالنسبة لصندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية فعجز عن استخلاص ديونه وواجه صعوبة في خلاص مستحقات الصندوق الوطني للتأمين على المرض والبالغة 1100 مليون دينار مما كان له الأثر السلبي على الوضعية المالية لهذا الصندوق وفقا لمعطيات تحصلت عليها “الشروق” من صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية. كما تشير الى ذلك المعطيات التي تحصلنا عليها الى ان الوضع المالي للصندوق يتطلب مراجعة لكيفية احتساب الجراية ومراجعة إجراءات التنفيذ في التمتع بالجراية.

تدخل الدولة لحل أزمة الصناديق

لا تبدو أزمة الصناديق مرتبطة بحل واحد دون غيره فللأزمة جذور عميقة امتدت عبر سنوات وتمددت وأصبحت تهدد السلم الاجتماعي وهو ما أكده بدر السماوي الخبير في الضمان الاجتماعي لدى منظمة العمل الدولية ولدى الاتحاد العام التونسي للشغل وأحد الاطارات السابقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

يقول السماوي  إنّ أزمة الصناديق أعمق من ان تحل بمجرد الترفيع في سن التقاعد مؤكدا ان “ما تعيشه الصناديق هو حصيلة المنوال التنموي الذي تم اعتماده خلال السنوات الماضية فمنظومة الضمان الاجتماعي تحولت إلى سيارة اسعاف والصناديق الاجتماعية كانت دائما ضحية للسياسات التي يتم اعتمادها وبالتالي لا حل لأزمة الصناديق سوى استبدال المنوال التنموي لأنه فاشل واعتماد منوال تنموي جديد فيه تنمية وتشغيل يعني انتعاشة للصناديق الاجتماعية”.

ومن ضمن أسباب تدهور الوضع المالي للصناديق وفقا للدكتور السماوي هو “سوء توظيف الاحتياطات المالية فهل كان الاستثمار في العقارات مجديا بالنسبة لصندوق الضمان الاجتماعي؟ فالعقارات التي تم تشييدها في الخارج كان يستعملها حزب التجمع آنذاك وهناك أيضا عقارات اخرى تتصرف فيها وزارات دون اية فائدة للصندوق. كما ان عدم تأهيل القطاع الصحي توازى مع اطلاق منظومة التامين على المرض وأسهم في هجرة المضمونين الاجتماعيين نحو منظومتي طبيب العائلة والقطاع الخاص مما اثقل كاهل الصناديق الاجتماعية”.

واعتبر الدكتور السماوي ان “تأخير سن التقاعد لن يكون حلا للمشكل بل سيؤجله وسيقلص من العجز بصفة جزئية ولا التقاعد المبكر ايضا يمكنه ان يكون حلا بل يجب ايجاد موارد اخرى عبر ميزانية الدولة لضخ اموال في الصناديق الاجتماعية ويجب على الدولة المساهمة على غرار كل دول العالم في ميزانية الضمان الاجتماعي من خلال توظيف أداء على الاستهلاك وتنويع الموارد” مبرزا ان “اي مس من الجرايات يعني المس من السلم الاجتماعي فالصناديق الاجتماعية لا تستطيع التحمل في زيادة المساهمات والترفيع في سن التقاعد ليس حلا سحريا”.

صندوق الضمان الاجتماعي يعجز عن استرجاع ديونه

الى غاية 31 ديسمبر 2015 عجز صندوق الضمان الاجتماعي عن استرجاع ديونه المقدرة بـ 3616.8 مليون دينار (كل الأنظمة) كأصل الدين و940.2 مليون دينار بعنوان خطايا تأخير قارة و85.7 مليون دينار بعنوان مصاريف.

ويقدّر اصل الدين المتخلّد بذمة المؤجرين في النظام العام او نظام الاجراء في القطاع غير الفلاحي بـ2225.8 مليون دينار من ذلك ديون بـ 1374.7 مليون دينار لمؤسسات نشيطة وديون بـ639 مليون دينار تعود لمؤسسات متوقفة عن النشاط (منها التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل) ودين بـ212.1 مليون دينار محمول على الدولة.

وأوضح الدكتور بدر السماوي ان عجز صندوق الضمان الاجتماعي عن استرجاع دينه مرده فرضيتان اثنتان وهما : إمّا عجز هيكل الرقابة عن مواجهة التحديات المطروحة على الصندوق لاستخلاص ديونه أو انه هناك فعلا مؤسسات تواجه وضعا اقتصاديا صعبا وتهدد بالغلق وطرد العمال وهنا يكون للمؤسسة السياسية دور في التدخل لفائدة المؤسسة. واضاف “هكذا كان يحصل ما قبل الثورة وربما يحدث اليوم أيضا بشكل غير واضح خاصة أنّ الوضع الاقتصادي ليس في أحسن حال”.