محمد سيف الدولة:كلهم شارلي أو كواشي أو أحمد فمن أنت ؟

المحرر _ بقلم محمد سيف الدولة _ضربت رصاصات شارلي إبدو الجميع، فانقسم العالم إلى جماعات متعددة، على رأسها جماعة “كلنا شارلي” ولكن هناك أيضاً جماعة “كلنا كواشي” وجماعة “كلنا أحمد مرابط” وجماعات أخرى:

أما جماعة (كلنا شارلى) فتقول: إننا نحب الحرية ونقدسها بلا حدود أو قيود. نعيش فى بلاد العشق والفن والجمال. نعيش فى فرنسا صاحبة أول ثورة إنسانية تدعو إلى الحرية والإخاء والمساواة. لا فرق بيننا على أساس اللون أو الجنس أو الدين. ونحن قبلة الأحرار والمفكرين والفلاسفة من كل بلاد العالم. ومن عندنا خرجت مأثورة فولتير الشهيرة التي أصبحت مبدأ ساميا لكل الشعوب المتحضرة، والتي قال فيها: (( قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أدفع حياتي ثمناً لكي تقول رأيك)).

فالحرية هي عقيدتنا الوحيدة، لا يوجد ما يعلوها أو يسمو عليها. لا مقدسات سواها. فهي روحنا ورمز شخصيتنا وهويتنا، تماماً كما كانت أبراج نيويورك رمزاً للولايات المتحدة الأمريكية. فتأتون أنتم اليوم لتعتدوا عليها، وتهددوا أفضل ما فينا! تقتلون الناس على أفكارهم ومعتقداتهم وكلماتهم وما تسطره أيديهم. تواجهون الأقلام بالرصاص. يا لكم من مجرمين!

ماذا فعلنا لكم؟ وكيف يمكن لبضعة رسومات أو ألوان أن تتسبب فى أذيتكم؟ إن لم تعجبكم، فلا أحد يمنعكم من الرد عليها برسومات مضادة وأفكار مختلفة. فالكلمة تقاوَم الكلمة والفكرة بالفكرة، ولكن ليس بالقتل والإرهاب.

لماذا تقتلون 12 إنساناً بريئاً هكذا؟ لماذا غدرتم بنا؟ بعد أن أعطيناكم الأمان وفتحنا لكم بلادنا لتهاجروا إليها وتعيشوا فيها، وتتجنسوا بجنسيتها وتتمتعوا بحرياتها وخيراتها؟ ولم نطلب منكم في المقابل سوى مطلباً واحداً هو أن تحترموا طريقتنا في الحياة، أن تتقاسموها معنا وتشاركونا فيها، وأن تندمجوا في قيمها وثقافتها، لا أن تهددوها وتعتدوا عليها. إن كنتم ترفضونها وتكرهونها وتحنقون عليها إلى هذا الحد، فلماذا أتيتم إلينا؟ لماذا لم تبقوا في بلادكم؟ أو تهاجروا إلى بلاد شبيهة ببلادكم؟

إننا لن نستسلم لكراهيتكم وإرهابكم أبداً، ولن تخيفنا جرائمكم و تهديداتكم، ولن نسمح لأمثالكم بالحياة بيننا، وسنطاردكم ونحارب أفكاركم حتى النهاية. ولا يخطر ببالكم للحظة واحدة أنكم حققتم مرادكم، فكلنا شارلي.

أما جماعة (كلنا كواشي) من أنصار سعيد وشريف كواشي فيردون: لم نعد نحتمل إساءاتكم لنا ولديننا ولرسولنا الكريم، الذى نحبه ونجله كثيراً وندعو له كل يوم في صلواتنا، فمنتهى آمالنا ومرادنا أن نقتدي به وبسنته في كل شؤون حياتنا، وإن في رسوماتكم الساخرة المسيئة، عدواناً وإهانة بالغة وعميقة وجارحة لكرامتنا ومعتقداتنا ومقدساتنا، ولقد حاولنا كثيراً أن ننبهكم إلى ذلك، كتبنا وتظاهرنا وحذرنا مراراً وتكراراً. لجأنا إلى القانون والقضاء، عبرنا عن غضبنا بكل السبل والطرق السلمية، ولكننا لم نر منكم إلا مزيداً من السخرية.

لماذا لم تدركوا أننا لم يعد لدينا سوى ديننا، فهو درعنا الأخير، بعد أن جردتمونا من الحق والمقدرة على الدفاع عن أوطاننا المغتصبة في فلسطين والعراق وأفغانستان، أو تحرير الأمة من هيمنتكم وشروطكم وقيودكم. وتواطأتم مع حكامنا لتذيقونا كل مشاعر الذل والاستعباد والتبعية والضعف والخنوع والدونية.

تعطون لأنفسكم الحق في السخرية منا بذريعة وقحة، وهي أنكم تسخرون من الجميع وليس من ديننا فقط. وهو ليس مبرراً مقبولاً لكي نتحمل إهانتكم لنا، فلكم قيمكم ومعاييركم ولنا قيمنا ومعاييرنا.

كما أنكم تكذبون في ادعائكم هذا، فمن منكم يجرؤ على الاقتراب من اليهود وإسرائيل؟ إن قوانينكم تدين على الفور كل من يفعل، بتهمة معاداة السامية. هل تتذكرون ماذا فعلتم مع روجيه جارودي أحد كبار مفكريكم عندما انتقد إسرائيل؟

كما أن ادعاءكم أن بلادكم هي بلاد الحرية هي كذبة كبيرة. انظروا كيف تتعاملون معنا بتعالي وعنصرية وتهميش، وتضيقون علينا في الوظائف وتمنعون الحجاب في المدارس والمعاهد الحكومية، وتقيدون بناء المساجد، وتشجعون الإسلاموفوبيا وتيارات وحملات العداء والكراهية ضد الأجانب.

تتذمرون وتتهموننا بتهديد طريقتكم فى الحياة، فلماذا تسمحون لأنفسكم بالتدخل في بلادنا في ليبيا والعراق ولبنان ومالي؟ وألستم أنتم أحد أهم أسباب تخلفنا وفقرنا باستعماركم لنا وتقسيمكم لأوطاننا ونهبكم لثرواتنا؟ هذا الفقر الذي دفع أمثالنا للهجرة إلى بلادكم أملاً في فرصة أفضل من الحياة التي سلبها منا أسلافكم.

تدينون وتنزعجون وتولولون من بضعة رصاصات قتلت عدداً قليلاً من الأفراد، بينما تستبيحون لأنفسكم كل يوم قتل الآلاف منا في أراضينا وأوطاننا، بطائراتكم وقنابلكم وصواريخكم ومبيعات أسلحتكم ومؤامراتكم وتحالفاتكم، يا لكم من منافقين!

إن لم ترفعوا أيديكم عنا، وإن لم ترحلوا عن بلادنا، وإن لم تكفوا عن التدخل في شؤوننا، والاستخفاف بنا وبمعتقداتنا، فإننا لن نترككم تعيشون في أمان.

ولا يغرنكم قتلكم لسعيد وشريف، فكلنا كواشي.

أما جماعة “كلنا مرابط” فتقول: كلنا “أحمد مرابط” الشرطي الفرنسي المسلم ذو الأصل العربي المغربي، الذي قتلته رصاصاتكم الإرهابية حين كان يحاول أن يقوم بواجبه ويؤدي عمله في الدفاع عن سلامة وأمن الفرنسيين الذين ينتمي إليهم. لقد كان سعيداً بعمله وفخوراً به. كان سعيداً أنه يدخل الطمأنينة على أشقائه من الصحفيين الفرنسيين الذين يعملون في شارلي، حتى لو اختلف معهم،فدوره هو حماية الناس كلهم من المخاطر والاعتداءات طالما لم يعتدوا على أحد.

لم يتردد لحظة فى القيام بهذا الدور. حتى حين عاتبه بعض الأصدقاء بأنه لا يجوز أن يقبل هذه الوظيفة في هذا المكان؛ لأنه يشارك من حيث لا يدري في حماية أعداء دينه. فسخر منهم، واندهش من ضحالة أفكارهم. فهذه فرنسا بلدنا الجديدة التي هاجرنا إليها طلباً للعيش والحرية التي نفتقدها في بلادنا. فرنسا بلد الرأي والرأي الآخر، بلد المؤمن والملحد والوثني، المسيحي واليهودي والمسلم والبوذي والهندوسي، بلد حرية الفكر والاعتقاد والانتماء.

فماذا يريد هؤلاء المتطرفون والقتلة؟ هل يريدون أن ينقلوا الويلات كلها التي هربنا منها في بلادنا إلى هنا؟ ألا يرون ما يحدث هناك؟ وكيف يقتتلون ويقتل بعضهم بعضاً بالمئات كل يوم. وكيف يكون مصير المختلفين والمعارضين هو القتل أو السجن أو المطاردة؟
ألم يسألوا أنفسهم لماذا لم يعبأ أحد في العالم بمقتل 37 يمنياً بسيارة مفخخة في صنعاء، في اليوم ذاته الذي حدث فيه الاعتداء على شارلي إيبدو؟ بينما انقلب العالم على ما حدث هنا.

إن الحياة والإنسان هنا لهم معنى وقيمة، ولكن هناك لا قيمة لنا. هذا هو ما دافع “أحمد” عنه وسندافع عنه ونحميه ونتمسك به ونقدم حياتنا فداء له، من بعده.

ثم ألا يعلمون حجم الأذى والضرر والمخاطر التي يعرضون لها الجاليات العربية والإسلامية كلها في فرنسا وأوروبا؟ ألا يتذكرون ما حدث في أمريكا بعد 11 سبتمبر 2001 وكيف تحول كل عربي أو مسلم إلى مشروع إرهابي محتمل إلى أن يثبت العكس؟

ألا يدركون أنهم يعصفون بجهود الملايين منا على مدى عقود طويلة فى التعايش مع الأوروبيين، والنجاح في كسب حبهم وثقتهم واعترافهم بنا، بل ونشر الدعوة الإسلامية بينهم حتى أصبحنا نحتل الترتيب الثاني في الجاليات الدينية في فرنسا وغيرها؟

ألا يرون حجم الخدمات المجانية التي يقدمونها إلى اليمين الفرنسي والأوروبي وإلى اليهود الصهاينة وإلى إسرائيل، الذين ينادون جميعاً بطردنا وإعادتنا إلى بلادنا وإغلاق أبواب الهجرة في وجوهنا، وتروج ضد جنسنا وديننا ودعوتنا ودعاتنا؟

ثم ماذا كانت نتيجة جريمتهم الإرهابية؟

الدنيا انقلبت عليهم؟ وعادت أصابع الاتهام مرة أخرى للإسلام والمسلمين، لتزيد تلك الأجواء من الشك والخوف والريبة منا، التي ضربت أوروبا في السنوات الأخيرة، بل قامت عشرات الصحف على امتداد أوروبا بإعادة نشر تلك الرسومات التي نكرهها.
إنكم قتلة وإرهابيون وأغبياء وجهلاء في أصول الدين والدعوة والوطنية والثقافة. أنتم لا تمثلوننا، فكلنا أحمد مرابط.

وأخيراً وليس آخراً، هناك اتجاه يدين ما حدث، ولكنه يدعو إلى التمهل في التقييم وإصدار الأحكام، حتى تتكشف الصورة الكاملة وتظهر النتائج والتوابع الدولية والإقليمية، وما إذا كانت ستسفر عن غزو جديد.

ويتساءل من يقف وراء هذه الجريمة الإرهابية؟ وهل وقعت بسبب الرسوم المسيئة للرسول؟ أم رداً على تورط فرنسا في ليبيا والعراق ومالي؟ أم أنها عملية مخابراتية تستهدف تغذية الإسلاموفوبيا في فرنسا وأوروبا؟ أو لتبرير اجتياح بلادنا بذريعة الحرب على الإرهاب؟ وهل يمكن تبرئة فرنسا والدول الغربية من دورها في توظيف ورعاية وتمويل عدد من الجماعات الإرهابية لتفجير الصراعات الطائفية والحروب الأهلية في البلاد العربية والإسلامية؟
ويذَكر أصحاب هذا الاتجاه بأننا لم نتيقن حتى الآن من حقيقة ما جرى في 11 سبتمبر 2001، بل وأصابنا كثير من الشك في أن يكون عملاً مخابراتياً أمريكياً؛ لتبرير غزو العراق وأفغانستان، خاصة وأن القتلة المتهمين في حالتي أمريكا و فرنسا، لم ينجُ منهم أحد لكي نتيقن من صحة الروايات الرسمية المتداولة.