“صراع”.. أو ملحمة الآلام |بقلم نور الدين عويديدي

المحرر _ تونس _ لنحو ساعتين عاش بضع مئات من التونسيين، وكنت وزوجتي منهم، في قاعة الكوليزي في العاصمة تونس ملحمة وجع وألم وذكريات قاسية مع فيلم “صراع”..
أعادنا الفيلم لنهاية حقبة الثمانينيات وعشرية التسعينيات وحتى قيام الثورة.. أعادنا لمرحلة سوداء في تاريخ تونس.. مرحلة القهر والقمع والانتهاك الصارغ والاعتباطي لحقوق الإنسان.. مرحلة القهر والإذلال.. مرحلة تحطيم الإنسان.. مرحلة الفجور والنفاق وسوء الأخلاق وحداثة الذل والنهب والقمع والظلم والفجور.
مع الفيلم عدنا لعام 1986 تاريخ اغتيال الشهيد عثمان بن محمود ومنه انطلقت ملحمة القمع العام 1987 ثم انقلاب السابع من العار وعامين من الوهم ثم عودة الآلة القهرية للطحن والتدمير.
يتابع الفيلم شخصية “الأستاذ” وزوجته ومعاناة عائلتهما.. “الأستاذ” رجل متدين مثقف صلب صبور يرمز لقائد بارز في التيار الإسلامي في الثمانينات.. يعتقل “الأستاذ”، ويلعب دوره في الفيلم الممثل اللامع صالح جدي، ويتعرض للتعذيب ومحاولة الكسر النفسي.
ويستعرض الفيلم لقطات موجعة مفجعة لعمليات الاعتقال والتعذيب والقتل في الزنازين وتسجيلها في الملفات باعتباره “سكتات قلبية”.. يستعرض لقطات موجعة جدا للآثار النفسية للتعذيب، الذي جعل كثيرين يفقدون توازنهم ويصابون بالوسوسة والنوبات العصبية إلى حد الجنون وانتحار أحدهم بالقفز من مكان عال في وزارة الداخلية.. يستعرض الفيلم مأساة مساجين طحنهم القهر.. حطمت آلة التعذيب أجسادهم وأنفسهم.
ومن السجن ينتقل الفيلم لمعاناة العائلات بين المداهمة وخطف الزوجة ورميها بعيدا واضطرار أم “الأستاذ” وهي امرأة عجوز مكلومة في ولدها، للعمل في بيوت الناس خادمة لتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش..
ويعرج الفيلم في لقطات مؤثرة موجعة على محاولات الهروب من تونس للخارج.. وعلى الدعم المادي القليل الذي كان يوفره المهجرون لعائلات المساجين، ينتزعونه من أفواه أبنائهم، ورحلة إيصاله للعائلات المتضررة ومغامرات الذين نجوا من السجون في القيام بهذه المهمة العسيرة وإصرار النظام على ترك العائلات والنساء خصوصا تعرى وتجوع وتذل وتقهر خدما في البيوت..
تضيق الدنيا وينكر الأهل أبناءهم وبناتهم.. يشتد الخناق.. تضيق الدنيا.. تختنق الصدور.. تضيق النفوس.. يعربد القمع.. ويزهو الفجور ويتطاوس الطغيان..
في السجن يروي الفيلم معاناة المساجين كلهم، مساجين الحق العام ومساجين الصبغة الخاصة أو الانتماء.. يفرض “الأستاذ” نفسه بين المساجين بصموده وقوة شخصيته وحسن أخلاقه مع المساجين جميعا.. يروي الفيلم صراعات السجون وهيمنة الكبرانة رجالا ونساء.. يستعرض الآلام والأوجاع..
تمر الأيام.. يمرض “الاستاذ” ويخرجوه للعلاج ويصل الخبر لزوجته وأولاده.. يذهبون إليه في المستشفى.. يحرمون من معانقته.. يقمعونه.. يضيقون عليه.. ساعتها حتى عون الأمن المكلف بحراسته يهتاج.. يصرخ.. يغضب.. يتمنى أن يخفف الله الخبزة في الأمن.. لكنه يسكت أمام “عرفه”..
تخرج أخبار السجن للخارج.. يشتد الخناق على النظام.. يحاول الجلادون مساومة “الاستاذ” على حل فردي.. لكن “الأستاذ” يرفض.. يعود للسجن للمعاناة للآلام.. تستمر المأساة 15 عاما..
في الخارج يكبر الأطفال لا يعرفون والدهم.. تكبر البنت التي تركها مولودة في “القماطة”.. تنقم على والدها.. تشعر أنه تركها.. تراه متخليا عنها.. لكن ابن خالتها وهو ابن رجل اعمال ثري ينجو بنفسه ويرفض مساعدة اخت زوجته خوفا من ان يستهدفه الطغيان.. ابن الخالة يكتشف مأساة بنت خالته.. يؤكد لها ان اباها رجل عظيم.. يراه رجلا جديرا بالتقدير والاحترام بخلاف والده سجين المال..
بعد فترة يخرج الاب “الاستاذ” من السجن.. يكون اللقاء لحظة موجعة.. تفرح الزوجة.. تفرح الام العجوز.. لكن الاطفال يجدون بينهم وبين والدهم حواجز.. لحظات مرة موجعة تسيل لها الدموع.. يقف الاب وولداه وبنته ممزقون لا يستطيعون معانقته والاب لا يستطيع معانقتهم.. ثم يبادر أصغر الاطفال بالعناق.
في الليل يذهب الاب الموجوع يقف على راس ابنائه النائمين.. يمد يده ليلامس شعر ابنه الاكبر.. يصحو الابن.. ينهر أباه.. يقول له إنه قد كبر ولم يعد طفلا صغيرا.. يذهب لسرير بنته.. تمتد يده ولا تصل شعر رأسها.. يخشى أن تنهره.. يفتح درج مكتبها.. يجد فيه كراس خواطر.. يقرأ بوجع.. يتألم في صمت.. تستيقظ البنت وتعانق أباها وتعتذر له.
يستعرض بعدها الفيلم معاناة التوقيع اليومي في مراكز الامن..
ثم تشتعل الثورة.. تمتلأ الشوارع بالمحتجين.. يجتمع التونسيون في الشارع غنيهم وفقيرهم.. ينزل “الاستاذ” وصهره عديله الثري الذي عانى ابتزاز الطرابلسية.. تنزل بنت “الاستاذ” وابن خالتها.. وتشتعل الشوارع بالهتاف أن ارحل.. تاتي خطابات التنازل لكنها لا تنفع.. وفي عنفوان المشهد مشهد الحشود الهادرة أيام الثورة، ينتهي الفيلم بجملة “وتستمر الثورة”.
صراعات ودموع
هذا ملخص غير دقيق للفيلم أتى على الامور الكبرى.. لكن الفيلم مليئ بالصور والتفاصيل الموجعة لا يغني عنها أي تلخيص.. ولا تشبع منها إلا المشاهدة مرة واثنين وثلاث.
هذه ثاني مرة أشاهد فيها الفيلم.. شاهدت الفيلم قبل نحو عام وهو لا يزال لم يستقر على نسخته النهائية وشاهدته اليوم.. رغم ذلك أبكاني الفيلم مرارا.. سالت الدموع على خدي طيلة الفيلم تقريبا..
لم أشاهد الفيلم كمجرد متفرج.. شاهدته كقصة ذاتية.. فيه استعدت لحظات الاعتقال.. لحظات الإيقاف.. تخيلت والدتي والخبر المروع يهزها هزا.. خبر اعتقالي ثم خبر اعتقال اختي.. رأيت أمي تلحق بي للصحراء حين نقلت من الإيقاف للجيش.. رأيتها تزور اختي في السجون كل مرة في سجن..
تذكرت مخاوفي وأنا أهرب من قوات القمع.. واتخفى في البيوت.. عشت الفيلم بطلا وضحية.. رأيت إخواني وأصدقائي يقتلون تحت التعذيب..
كان الفيلم قصتي.. كانت أوجاع أبطاله أوجاعي.. لذلك بكيت طيلة مدة عرضه.. تقلبت مع معاناتهم.. استعدت كل ذلك الماضي.. وجدته حارا في أعماقي.. وجدت ألمه حيا كأنه لا يموت.
ز
شكرا للأستاذ منصف بربوش المخرج الهادئ على هذا العمل الرائع.. شكرا لكاتب السيناريو الاستاذ حسين المحنوش.. شكرا للاستاذ صالح جدي بطل الفيلم، فقد كان أداؤه عظيما..
شكرا لكل من ساهم في هذا الفيلم ومن مثل فيه وخاصة زوجة الاستاذ والمساجين وحتى من مثل دور المعذبين فقد أوصلوا للمشاهد كل من موقعه حجم المأساة.
قال صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا.. وأقول إن بياننا اليوم هو السينما.. وإن للسينما سحرها.. وإن من السينما ما يحرك الحجر.