ياسين العياري أو اللغم الذي يبحث عن شرارة بقلم “نصر الدين بن حديد”

في تجاوز للأبعاد العاطفيّة التي تهزّ قطعا كلّ من يتعامل مع ملفّ ياسين العيّاري أو مع الشخص في أبعاده الذاتيّة أو كلّ ما يأتيه من مواقف سياسيّة وتحركات شخصيّة، وجب الاعتراف بأمرين هامين بل على قدر كبير من الخطورة:
أوّلا، أنّ المسألة لم تعد ولا يمكن النظر إليها ضمن بعدها “القضائي” الصرف، حيث تحولت، بل انقلبت إلى قضيّة “رأي عام”، بل قضيّة “الرأي العام” الأولى والأهمّ،
ثانيا، (وهنا مربط الخيول جميعها)، انقلبت “الحكاية” من بعدها “الوطني” المحليّ، أيّ أنّها محاكمة “تونسي” من قبل “القضاء العسكري التونسي”، إلى قضيّة يتناولها الاعلام العالمي، وجعل منها المحرار القادر على معرفة بل قياس مدى احترام “النظام الجديد” لما هي “الحريات” الفرديّة، خاصّة وأنّ الكثير (داخل تونس وخارجها) يبدي تخوفات ويعبر عن ريبة من عودة “دولة البوليس” إلى سالف عهدها….
أخطأ بن علي، وقد كلفه الأمر ملكًا جاء إليه بالانقلاب، حين اعتبر أنّ “التطبيق المجرّد والصارم” للقوانين يكفي لبسط سلطة “الدولة” و”المحافظة” على (ما يسمّى) “هيبة الدولة”، حين استطاع “توفيق بن بريك” حينها، وقد كان “فردا” (رغم ما كان يلقى من دعم) أنّ يمرّغ ليس فقط “أنف” بن علي (الضخم خلقة) في التراب، بل جعل الرجل يظهر (خلال اجتماعه الشهير برؤساء التحرير) كمثل “الطالب الفاشل”، مبرّرا فعله، بل متراجعا عن قرار منع جواز السفر، كمثل الطفل الذي يبرر سرقة الحلوى من دكّان البقال.
على النظام القائم حاليا، بدءا بوزير دفاع، بصدد حزم حقائبه ومؤسّسة عسكريّة باقية وأمنها العسكري الماكث، وقائد أركان غير مخلّد فيها حين لم يدم المقام لسابقه، أن يتذكّر أنّ حصر قراءة مسألة “ياسين العيّاري” في أبعاد “قانونيّة بحتة”، لن تحمي هذه “المؤسّسة” ولن تحفظ “هيبتها”، لأنّ المسألة لا يمكن ضبطها ومن ثمّة حلّها، من خلال هذا “التطبيق” (الحرفي) لهذا “القانون”، بل وجب على هذه المؤسّسة أن تسأل ومن ثمّة تتساءل، ضمن اليقين أنّ بها من العقول من يفكّر ومن البصائر من يبحث، عن الزاميّة التأسيس للقناعة بالقانون قبل السؤال عن تطبيقه، علما وأنّ هذا الهاجس أو هذا “الهمّ” يتجاوز (بكثير) هذه المؤسّسة ليشمل ويلمّ المؤسّسات جميعها، في بلد فقد أو هو يريد التخلّي عن “ضوابط الظلم والقهر” دون القدرة (وهنا الخطورة) على التأسيس لضوابط “الحريّة والديمقراطيّة”.
نلاحظ منزعًا خطيرًا، وإن كان عن حسن نيّة، في حصر “دولة القانون” في “تطبيق (صارم وحرفي) للقانون”، علمًا وأنّ هذا المطلب وهذا المسعى، سيقود البلاد إلى سالف عهدها، من سلطة تتعالى بالقانون في مواجهة “قاعدة” شعبيّة ترفض هذه “القوانين”، لأنّ المسألة لا يمكن أن تعني (والكلام موجه بالأساس إلى السادة القيّمين على القضاء العسكري) شرعيّة التطبيق أو شرعيّة من يشرف على هذا التطبيق، بل مجمل الساحة الوطنيّة بكاملها.
اعترف الرومان (أوّل من أبرع في بدع القوانين وتطبيقها) أنّ بهاء القانون وشرعية من يطبقه تؤتي الحدّ الأدنى من الغاية، وهي الحالة التي كان يعيش من خلالها (بل يتمعش) بن علي ونظامه، حين وجب قراءة الطرف المقابل (أي ياسين العياري ضمن هذه الحالة) وفق ما هو قائم من وضع اجتماعي وحالة ذهنية.
لا يبحث العقل الرصين عن توازن بين الأطراف الثلاثة أي: “القانون”، “القاضي” و”المذنب”، حين لا يمكن مقارنة ما لا يمكن تقديره، بل عن “تكامل المشهد”، وهو أمر كان يفتقده بن علي، بل لا وعي له به، حين انحصر عقله في مسائل “المسك” و”الضبط” و”السيطرة” و”الاحكام”.
وجب الاعتراف، حين لا يمكن لعاقل أن يكذب الأمر، أنّ قضيّة “ياسين العياري” لا تأتي “قضيّة” في “بلد مستقر”، أيّ أنّها ليست “الأولى” أو “الوحيدة”، ليكون السؤال عن هذا “الاستثناء” حين وجب أن نرى في “القضاء العسكري” والمؤسسة برمتها ذلك الذي لا يظلم ولا يغفر ولا ينسى، ليكون “السؤال” (المعرفي) عن هذا “الاستثناء” في “ديمقراطية” (يريدها الجميع) ترفض الاستثناء بطبيعتها…
يخطأ من هو في القضاء العسكري أو المؤسّسة العسكريّة، حين يعتبر دوره، مجرّد “تطبيق للقانون”، حين يمكن لأيّ “آلة” أن تؤدّي الدور، بل “الدور” يكمن في السؤال عن تحقيق أفضل “مصلحة” للبلاد والعباد، ومن ثمّة يتجاوز القضاء وتتجاوز المؤسّسة دور التطبيق (الهام والأكيد) إلى مرتبة الباحث عن “الاستقرار” والراكض (كمثل الناس جميعا في هذه الفترة) خلف أقوم المسالك لتجسيد أفضل ما يمكن لهذه البلاد، وليس “الممالك” كما أراد “الهالك” بن علي.

خلاصة الحديث: على القضاء العسكري وأمن المؤسّسة والمؤسّسة برمتها أن تعي أنّ التطبيق الحرفي والآلي للقوانين يكون كافيا بذاته مكتفيا بفعله فقط وحصرًا، ضمن الديمقراطيات القائمة والدول المستقرّة، التي استوعب أهلها هذه القوانين وآمن شعبها بهذه التشريعات، أمّا في تونس راهنًا، حين الاستثناء صار قاعدة، فالجزم قائم أنّ على هذه المؤسّسة وهذا الأمن أن يكون صاحب مهمّة التأسيس والانطلاق وليس التطبيق والتنفيذ فقط.
هل يعقلون؟