ما التجمع؟ ومن أعاده؟ بقلم أبو يعرب المرزوقي

تمهيد لتحديد السياق : لو لم يكن القصد إفهام الشباب بجنسيه علل موقفي والإيمان بحقهم في رد مقنع على استيائهم من موقفي لابقيت الأمر للتاريخ يحكم لاحقا ولاستغنيت عن هذا لتعليل المغرق فيالتعقيد والمبرز للبعائد والعظائم التي يغفلها من يغرق في القرائب والصغائر. فالكثير منهم ظن أن حملتي ضد المرزوقي دافعها عداء شخصي بيني وبين المرزوقي وهدفها مساندة الباجي. ومن ثم فقد ذهب البعض إلى اتهامي بخيانة الثورة إما خيانة مأجورة (طمعا) أو خيانة مأمورة (خوفا) : لكنهم سيرون في المستقبل القريب أن الدافع ليس هذا ولا ذاك إذ سيجدون في محاولاتي المقبلة ما عهدوه مني من متابعة الأحداث متابعة تخدم الثورة الكبرى لا مجرد المسرح المحلي الضيق.

فأنا لا أخاف غير الخالق وليس لي أدنى طموح سياسي محلي يمكن أن يفضل ما أنا فيه من التزام بمسألة أوسع من المسرح السياسي التونسي المحلي فلا عن عملي الفكري المفيد معنويا وحتى ماديا. ولما كان الكثير من الشباب بجنسيه لا يعلمون أني كنت معارضا لانتخاب المرزوقي رئيسا قبل أن يوجد النداء أي منذ انتخابات المجلس التأسيسي فهم لن يفهموا أن وجود النداء يقتضي أن تزداد معارضتي لهذا الرجل. فالتصدي للنداء يحتاج إلى تنظيم قوة المعارضة وعمادها الإسلاميون الذين اختاروا النهج الديموقراطي والسلمي للتغيير وإلى قيادات حكيمة وذات روية وصبر وطول نفس وكلها صفات لا تتوفر في المسارعين لاعتلاء الكراسي.

وطبعا فأنا لست بجاهل أن سقوط المرزوقي في تنافس ثنائي يعني صعود الباجي. لكن ينبغي للائمين ألا يتجاهلوا كذلك أني أكثر الناس تنبيها في عديد المحاولات المنشورة فضلا عن التنبيهات المباشرة شفويا إلى أن عودة التجمع ممكنة إذا تواصل أمران :

الأول إذا بقيت الأحزاب التي يهدد النداء وجودها غافلة عن خطته في امتصاص حيويتها وافتكاك قاعدتها أعني كل الأحزاب التي عارضت الترويكا. فهذه الأحزاب خرجت من اللعبة السياسية بحكم وزن قاعدتها التي لم يبق منها الكثير لانضمام أغلبها إلى النداء.
والثاني إذا تصدت النهضة للنداء بدلا من هذه الأحزاب المهددة فإن تصديها يزيده قوة لأنه يؤيد إحدى حججه رغم أنه أقل قدرة على تهديدها.

لذلك فهو يهدد الأحزاب التي استعملها لتحقيق غايتي خطته التاليتين خطته شديدة الدهاء والخبث والتي تزدادا إقناعا بقدر تصدي النهضة له:
الأولى هدفها التوجه إلى الرأي العام الداخلي وتتمثل في دعوى الوقوف أمام تغول الإسلاميين بتوحيد كل من عداهم في سعي لتحقيق التوازن.
الثانية هدفها التوجه إلى الرأي العام الخارجي الإقليمي والدولي وتتمثل في دعوى تمثيل الحداثة والديموقراطية ضد التخلف والثيوقراطية الدينية.
ولعل الكثير لا يصدق أني حاولت ثني الأحزاب التي تدعي الديموقراطية من التحالف مع النداء حتى قبل نشأته الفعلية من خلال جبهة المعارضة التي تكونت في المجلس قبل تكون النداء وجبهة الإنقاذ. فالمعارضة مثلت جبهة في المجلس وفي الشارع كان الناطق باسمهما أحد أصدقائي وتلاميذي الذي سأقص لكم حادثة تؤيد مسعاي في تنبيههم للخطر الذي يهددهم ويهدد الثورة وكيف صدوا هذا المسعى.

سأذكر بحادثتين مصورتين يمكن الرجوع لهما لمن يريد أن يتأكد حتى يعلم أن ما اقصه هنا ليس تبريرا بعديا لموقفي أو استعراض حكمة أدعيها إذ إني اعتبر هذا الموقف من أبجديات السياسة إزاء دولة عميقة « ثعالبها » مارست الحكم أكثر من نصف قرن وليست مستعدة للتخلي عنه باليسر الذي جعلهم يتركونه يصول ويجول بل وانضموا إليه في تخريب التجربة وهي بعد طرية العود:

الأولى حصلت بسبب صداقتي بالمرحوم الحاج البراهمي. فقد دعاني لمؤتمر القوميين الذي نظمه في قصر المؤتمرات. وكاد المشرفون أن يحولوا دوني وأخذ الكلمة. لكنه تدخل وأعطاني الكلمة. وكان رد الحضور عليها في البداية عدائيا. لكني واصلت فشرحت لهم أن الخصومة لا ينبغي أن تكون بين القوميين والإسلاميين ما يعني أن الحلف السياسي المفيد للثورة ينبغي أن يكون بينهم لأن المستهدف مباشرة هو الثورة أولا والإسلاميين ثانيا ومطلوب القوميين أخيرا. وأن عزل الإسلاميين سيكون بداية للإجهاض على الثورة وعلى القوميين.
والثانية حصلت بسبب صداقتي مع تلميذي الذي اختاروه ناطقا رسميا باسم المعارضة في المجلس. فقد حضرت ندوتهم الصحفية التي أعلنوا فيها تكوين حزبهم المنشق على حزب الشابي وكان لي بينهم الكثير من الأصدقاء والصديقات. وطلبت الكلمة فتشاوروا ثم رفضوا تمكيني من الكلام. وبرروا ذلك لاحقا لئلا اغتاض من موقفهم بالخوف من أن يفهم من كلامي أنهم قد انحازوا إلى النهضة. وهم يعلمون أني ليست عضوا في حزب النهضة وأني مستقل وأني حدثتهم سابقا عن ضرورة الحد من الموقف المعارض للتجربة وضرورة مساندتها حتى لا يعود النظام القديم بسبب تفرق صف من كانوا معارضين له سابقا.

الأساس النظري والعملي للموقف
لذلك فإني لا أحتاج إلى من يذكرني بهذه البدهية المتمثلة في أن وقوفي ضد المرزوقي يمكن أن يصب في صالح الباجي خاصة في الدورة الثانية بعد أن أصبح هو الخصم الوحيد له في الرئاسية. وكان يمكن أن أتردد في القيام بحملتي ضد المرزوقي لو لم أكن واثقا من أن طبيعة الاختيار السياسي تقتضي عامة ترتيب الأخطار بالقياس إلى شروط التصدي لها وأنها تقتضي خاصة منع ما قد يحول دون المحافظة على القوة للمستقبل وأهمها شروط التصدي الحقيقي التي لا يمكن أن يكون المرزوقي أحدها هذا إن لم يكن أحد معطليها كما أبين إن شاء الله:

فطبيعة الاختيار السياسي تقتضي السعي في الغالب إلى تجنب الأسوأ وليس إلا نادرا إلى تحقيق الأفضل للعلم بما يغلب على النفس البشرية وعلى تنافس الجماعات السياسية وخاصة في البلدان ذات النخب التابعة وذات الإمكانات المحدودة.
وشروط التصدي لها تقتضي في هذه الحالة الانطلاق منه كون صعود المرزوقي للرئاسة ليس حائلا دون عودة النظام القديم بل هي تكريس لها وتحقيق لما عجز فيه بورقيبة وابن علي بسبب المناخ المحلي والإقليمي والدولي الذي يريد إنهاء شيء اسمه الإسلام السياسي.

وإذا كان الكثير من القراء قد يوافق بيسر على الأمر الأول لكونه قاعدة مبدئية في الفلسفة السياسية فإن الأمر الثاني قل أن يقبل به أحد للظن بأن المرزوقي ديموقراطي وبأنه ضد نزعة الاستئصال للإسلام السياسي خاصة وهو يستمد وجوده السياسي من سند النهضة. ولعل هذين الوهمين هما ما شجع الكثير من الشباب على الانضمام إلى حملته أملا وخوفا من المجهول : والشباب لا يلام إذا اساء التقدير لكن الكهول والشيوخ لا عذر لهم. ولما كنت ولا زلت مؤمنا بعكس ذلك إيمانا حاولت إقناع الكثير به بلا جدوى فإني اكتفيت بمواصلة الدفاع عن موقفي مستفيدا من سند بعض المتفهمين لموقفي وخاصة ابني نزار يعرب.

وأنا متأكد من أن الجميع سيرى صحة الموقف مستقبلا كما رأى وتحقق كل من اغتر من الأحزاب التي تسمي نفسها ديموقراطية بكلام الباجي المعسول -وربما بتهديد الدولة العميقة وتمويلها-فانضم إليه ضاربا عرض الحائط بما نصحت به بعض قياداتها. لكن الكثير منها مباشرة أو عن طريق بعض شبابها الوقح ادعى أني لا أفهم في السياسية وأن قياداتهم أدرى بها من “المتفلسفين” : لكن نهاية هذه الأحزاب كما نبهتهم كانت كما توقعت على يد النداء.

أما الإسلاميون فهم بكمهم وكيفهم أقوى من أن يؤثر فيهم النداء الذي هو وليد لقيط تجتمع فيه كل أمراض السياسة التونسية أعني كل ما يتولد عن الاستبداد والفساد كما أبين عند الكلام عن حقيقة التجمع ما هي : فما فشل فيه بورقيبة وابن علي لن ينجح فيه من يتصورون أنفسهم “عفاريت” النداء حتى وإن كان الظرف المحلي والإقليمي والدولي يبدو ملائما للاستئصاليين منهم لأن هذه الملاءمة لم تغب يوما خاصة وكلاهما كان حليفا للغرب في حربه على مقومات الوجود المستقل لأي أمة سيدة.

حددت موقفي من المرزوقي منذ الانتخابات السابقة وعارضت اختياره رئيسا خاصة ونتائجه فيها لم تكن أمرا معتبرا ما قد يعطيه شرعية تقلل من علل معارصتي لتنصيبه بنسبة من التمثيل شديدة الهزال. لكن موقفي حينها لم يصل إلى حد التعبير العلني أولا لأنه لا يمكن أن أبدأ التعبير من البداية عن معارضة حزب ساند ترشحي وثانيا لأني ضيف عليه وليس لي منزلة المسؤول الرسمي عن سياسته. وهذا الموقف هو الذي دافعت عنه في حملة الرئاسة الأخيرة رغم علمي أن ذلك لن يفهمه الشباب بجنسيه وأنه قد يكون ذا كلفة لا بد من تحملها لأن ذلك هو شرط المسؤولية الخلقية والسياسية التي اعتبر نفسي ملزما بها منذ أن نذرت الكثير من وقتي وفكري للمشاركة في نجاح التحول التاريخي في مسعى الأمة لاستئناف دورها التاريخي.

لذلك فلم يكن يعنيني كثيرا إن ذلك سيسهم مؤقتا في نجاح الباجي الذي سيكون مضطرا لمهادنة الثورة والإسلاميين بسبب صحته وسنه وبسبب علمه بالفشلين السابقين في مقاومة الإسلام السياسي. هذا مع العلم أني أعتقد أن عدم نجاح المرزوقي أكثر فائدة للثورة من نجاحه لأن سقوطه يمثل عندي شرطي بناء المقاومة المتروية التي لا يكون المرزوقي فيها إلا عامل تهريج .

كل من تابع ما فعله المرزوقي ومستشاروه منذ الإعلان على النتائج فضلا عما تقدم في الحملة لا يحتاج لمزيد بيان : فكل خطوة خطوها كانت دليلا على الحمق والسذاجة السياسية بدءا بتنظيم الحملة وختما بما تلا التصريح بالنتائج. وهذا الإيمان بأن المرزوقي ليس ديموقراطيا وبأن كل شيء في سلوكه يدل على أنه فاشي متخف وأنه ليس قادرا على التصدي لاستئصال الإسلاميين والثوار فضلا عن أن يكون معارضا له هو الذي يحتاج إلى التحليل والتعليل حتى يتأكد الشباب بجنسيه أن دوافعي تتجاوز الموقف المستند إلى مستوى نفسي من العلاقات. فليس لي بالرجل أدنى علاقة لا سلبية ولا إيجابية بل إني لم أزر القصر إلا مرتين في حفل البداية وفي إحدى المحاضرات.

ولعل أول ما قد يستغربه القارئ يخص علاقة موقفي بالسؤالين اللذين جعلتهما عنوان المحاولة: ما التجمع؟ ومن أعاده إلى الساحة؟ والمعلوم أن الجواب عن السؤال الثاني يكاد الحكم المتعجل يعتبره بدهيا وينسبه إلى عدم حزم الترويكا عامة والنهضة خاصة في العزل السياسي وتحقيق المحاسبة. وهذا الحكم المتعجل علته عدم وضع السؤال المتقدم عليه والذي هو شرط الجواب الصحيح للسؤال الثاني : ما التجمع؟ لذلك فالبداية ستكون بالجواب عن هذين السؤالين قبل بيان أسباب موقفي من المرزوقي واعتباري مؤقتا ولعلل ظرفية صعود الباجي أخف الضررين.

ما التجمع وما الخطر من عودته بشكل أخطر؟
يحتاج هذا السؤال إلى صياغة أوضح على النحو التالي : كيف تحول الحزب الحر الدستوري الجديد بالتدريج إلى تجمع بالفعل بعد أن كان تجمعا بالقوة؟ ولم لا بد من التمييز بين الحزب الدستوري (بوجهيه : المؤمن بالوصل بين فرعيه القديم والحديث -وهو ما يشرفني أن أنتسب إليه- والنافي للوصل بينهما وهو ما يشرفني أن أقاومه لأنه أساس التجمع) والحزب التجمعي (بوجهيه اللذين هما الخطر الذي أريد أن أنبه إليه : بقيادة الحزب أو بقيادة الاتحاد)؟ لا بد من التذكير بالمراحل الخمسة التي مر بها الحزب الدستوري الجديد ليصبح تجمعا بوجهيه :
1-الأول الذي كان فيه الاتحاد واليسار أداة لهذا الحزب (قبل الثروة) 2-والثاني الذي قد يعكس فيصبح هذا الحزب أداة الاتحاد واليسار (بعد الثورة).

وهذا هو التجمع الذي قد يعود والذي هو أخطر بكثير من التجمع الذي سقط خلال الثورة:
1-المرحلة الأولى : قطيعة الحزب الدستوري الجديد مع أصله(1938).
2-المرحلة الثانية : معركة الصدام الأولى : اليوسفية والبورقيبية (1955).
3-المرحلة الثالثة : معركة الخلافة الأولى : بين الاتحاد والحزب (1978)
4-المرحلة الرابعة : معركة الخلافة الثانية : بين الاتحاد والحزب (2010).
5-المرحلة الخامسة : معركة الصدام الثانية : النداء والنهضة منذ تكون النداء وبعد الانتخابات الحالية. فهذا الصدام مصيري وهو تكرار لصدام القطيعة ولصدام اليوسفية ويضع الشعب التونسي أمام خيار مصيري : فإما الصلح بين فرعي الحزب الدستوري القديم والحديث بعد مراجعة تقرب التأصيل والتحديث أحدهما من الآخر أو الحرب الأهلية التي لن تبقي ولن تذر.

وهي ستكون جامعة بين حربي التحرير وحربي الاستئناف :
التحرير من الاستعمار المباشر والاسعمار غير المباشر.
استئناف المواطنين الضيقة والواسعة : القطرية والقومية.

طريقة العرض وتعليلها
وبخلاف منطق الأحداث العرية عن فهم علاقاتها لعدم اتضاح أساس التأويل الأقرب لإفهامنا دلالتها سنقلب الترتيب فنبدأ بالمرحلة قبل الأخيرة لنعود منها إلى المرحلة الأولى حتى نفهم ما كان خفيا منها باعتبارها قد أعدت لها. ومن ثم فهي التي ستفهمنا تسلسل المراحل كلها تسلسلها الذي اكتمل بتكوين النداء. ذلك أننا سنتبع منطق الحديث المؤول للأحداث بعد اتضاح العلاقات بين مراحل أحداث السلسلة. لذلك فسندرسها بالصورة التالية مكتفين بإشارات برقية تكفي بداية لفهم ما يجري حاليا وقد نعود إليها في مشروع كتاب حول تاريخ القوى السياسية في تونس منذ نشأة الحزب الدستوري:
1-المرحلة الرابعة والثالثة معا أعني مرحلتي صراع الخلافة بين الحزب والاتحاد في عهدي بورقيبة (بورقيبة عاشور) وابن علي (ابن علي و.
2-المرحلة الخامسة والثانية معا أعني مرحلتي صراع المشروع الدستوري التونسي بين الثعالبي وبورقيبة ثم بين ابن يوسف وبورقيبة.
لتكون المرحلة الأولى بوصل بعدي للأحداث بعضها بالبعض هي أساس التأويل. فهذا الوصل يوضح دلالتها ويفهمنا علاقة المرحلتين المزدوجتين كما نصفهما هنا أعني مرحلتي صدام الخلافة ومرحلتي صدام المشروع.

صدام الخلافة : المرحلتان الرابعة والثالثة
أعلم أن الشباب لا يحب التاريخ كثيرا لكني مضطر لذلك إذ لا يمكن فهم الأحداث من دون مسار تكونها. لذلك فأسبدأ بالمرحلة الرابعة لأنها ذات صلة مباشرة بأحداث الثورة التي عايشها جل الشباب الذي يعيش حاليا مرحلة إحباط بسبب تعثر الموجة الأولى منها. فهذه الاحداث تفهمنا سر مشاركة الاتحاد في الثورة رغم كونه أفسد من الحزب وسر انقلابه على إرادة الشعب بعدها.

فهذه الثورة كانت ثمرة قطيعة متزايدة بين فرعي التجمع أي بين الاتحاد والحزب الدستوري الجديد في آخر مراحل احتضارهما والخوف من سقوط النظام بيد المعارضة التي يعلمون أن قوتها الرئيسية هي الإسلاميين. ذلك أن مرحلة الخلافة الثانية خلافة ابن علي (علامتها سجن ابن علي للسحباني الذي كان ينوي الترشح للرئاسة فضلا عن معركة أخرى خفية بين ليلى ومن اعتبرها قد ابعدته عن القرار) التي وضعت بسبب دستوري وصحي تشبه إلى حد كبير مرحلة الخلافة الأولى خلافة بورقيبة (بين بورقيبة وعاشور) لنفس السببين : كلتاهما أدت إلى قطيعة في بين الاتحاد والحزب اللذين بمجموعهما يكونان التجمع.

لكن بقايا الحزب الدستوري الجديد في الوضعية الأولى تغلبت على الاتحاد وسيطرت على الوضع بشيء من الصلح مع الهوية والإسلاميين وبالانفتاح الديموقراطي (تلك هي خطلة المرحلة التي قادها مزالي). لكن سرعان ما تحالف المحل والإقليم لاسقاط المشروع مشروع المصالحة بين فرعي الحزب القديم والحديث وعودة التحالف بين الاتحاد وبقايا الحزب الجديد : بدأت بتحالف وسيلة وعاشور والقدافي وانتهت بحلف بلاط بورقيبة الذي فقد السيطرة على الأمور وابن علي الذي استعمل البلاط واستعمل الإسلاميين كما يراد الآن استعمالهم من قبل المرزوقي مطية لتحقيق هذا المشروع.

وبذلك فالمرحلة الرابعة أو مرحلة الصدام الثانية بين الحليفين (قبيل الثورة بقليل وهو ما أدى في البداية إلى انخراط الاتحاد فيها بحماس) كان ينبغي أن يتم تجاوزنها بإعادة التحالف ضد الإسلاميين. وهي مرحلة شبيهة جدا بالمرحلة الثالثة أو بمرحلة الصدام الأولى (قبيل انقلاب ابن علي) وهو ما أدى إلى عودة الحلف ضد الانفتاح الديموقراطي والإسلاميين: فكلتاهما نتجتا عن صدام بين الحليفين الحزب والاتحاد من أجل الجمع بين السيطرة على الدولة (الحزب) والسيطرة على المجتمع (الاتحاد) في يد واحدة هذا أو ذاك.
ففي المرحلة الثالثة كان الصدام حول خلافة بورقيبة بين الصياح وعاشور خاصة. فكان الصدام بين مليشيات الاتحاد ومليشيات الحزب ( أحداث 1978). وكان للقدافي والمصمودي وحتى وسيلة دور في فكرة خلافة عاشور لبورقيبة.

وفي المرحلة الرابعة كان الصدام حول خلافة ابن علي بين ليلى والدولة العميقة التي استعملت المعارضة والاتحاد لمنع الصلح الممكن بين ابن علي والإسلاميين لأن ليلى كانت تفكر في ضمان مستقبل ابنها بالاعتماد على حلف جديد مع الإسلاميين بتوسط صهرها(أحداث الربيع العربي في منطلقاتها الأولى).

المرحلة الأولى سر المراحل جميعها : القطيعة الحضارية
تبدو هذه المرحلة أقل المراحل وضوحا لأن دلالتها لم تتبين إلا بسياسة زعيمها بعد الاستقلال الصوري أعني بتحقيق ما عجز الاستعمار عنه وخاصة بفضل المراحل الأربعة التي عرضنا : السر هو الاستراتيجية التي تهدف إلى إخراج البلاد من إطارها الحضاري بفرنستها ثقافيا ولغويا وتربويا حتى تصبح في قطيعة مع محيطها العربي الإسلامي ومطلقة التبعية لمحيط آخر هو ثقافة المستعمر وتربيته وخاصة حمايته. إنها مرحلة القطيعة بين الحزب الدستوري الجديد وأصله أي الحزب الدستوري الأول : تلك هي المعركة التي توحد بين كل المعارك التي مرت بها تونس وعادت من جديد لتكون المحدد الأساسي لمستقبل البلاد. فقد بات حزب الثعالبي يوصف بالقديم وباتت قياداته محاصرة بين الاستعمار وقيادات الحزب الجديد الذي تعامل معهم بما يشبه العنف الفاشي وبسند واضح من الاستعمار.

ومن الواضح أن مشروع بورقيبة السياسي كما تبين جوهره لاحقا بعد الاستقلال لم يكن قطعا بسبب خلاف حول المنهجية السياسية كما تروج له الكذبة الكبرى لتمرير المشروع الخفي : لم يكن خلافا حول استراتيجية التحرير من الاستعمار بل كان خلافا حول الجوهر الحضاري والروحي للمعركة. فمنهجية الاتصال المباشر مع الشعب والمرحلية لم يأت بهما بورقيبة بل هما من أساسيات المنهجية التي اعتمدها الحزب القديم ولنا على ذلك دليلان:

الأول هو انتشار المؤسسة الأساسية لهذا التوجه أعني الشعب التي دارت فيها معركة القطع مع المشروع السياسي للحزب الدستوري.
الثاني هو مزايدات بورقيبة الأولى على المرحلية الثعالبية واتهامه للثعالبي بعدم السعي للاستقلال التام بل مجرد المطالبة بالحقوق في إطار الامبراطورية الفرنسية.

وإذن فالمشروع الخفي كان خيارا حضاريا مزدوجا يزايد في الظاهر على التأصيليين ويسعى في الباطن إلى القطع مع كل اصالة لأن له غاية خفية تقتضي أداة منافقة عمادها خطاب بورقيبة المزدوج الذي ربما لم يكن الكثير من مؤيديه حتى في القيادة مدركين لأبعاده بدليل ما حدث مع الحركة اليوسفية.

فقد كانت الغاية الحقيقية لتكون هذا الحزب الجديد هي الفصل بين الوطني والإسلامي أي تغيير إطار الحركة التاريخية التحررية من خلية قطرية في حركة أمة عظمى إلى حركة قطر يريد أن ينفصل عن الأمة ليكون تابعا بقيس خاطئ لانفراط عقد الوحدة الأسلامية بعد سقوط الخلافة على انفراط عقد المسيحية في القرون الوسطى : تكوين أمم قطرية على جثمان أمة جامعة.

ولا أحد ينكر أن هذا هو الهدف البين لمشروع التجمع في مرحلته الصريحة الأولى. فبعد أن أصبح الجمع بين فرعيه علنيا وصريحا أعني الحلف بين بقايا الحزب الجديد واليسار ضد محاولات إصلاح الحزب الدستوري بحركة محمد مزالي وبعض الديموقراطيين الذين بدأوا يستعيدون اللحمة بين الإسلاميين والدستوريين الصادقين (حركة الديموقراطيين الاشتراكيين) نشأ التجمع صراحة بعد انقلاب ابن علي.
وإذن فالقيادة بقيت بيد بقايا الحزب الجديد الرافضين لهذا التوجه إلى أن وقعت الأحداث التي تسمى ثورة الربيع العربي. وينبغي أن ندرك أن دور اليسار والاتحاد في هذه الأحداث علته عدم تمكنهم من القيادة وخوفهم من عودة نظام ابن علي وخاصة زوجته التي كانت تعد للصلح مع الإسلاميين لضمان مستقبل ابنها. لذلك فاليسار داخل النداء وخارجه والاتحاد سعوا إلى الجمع بين الجهازين : التجمع العائد ليس التجمع البائد بل هو التجمع الذي يجمع بين يديه جهاز الحزب وجهاز الاتحاد لاستئصال الإسلاميين والدستوريين في آن.

وقد كانت الأداة هي الخطاب المزدوج لأن علنية القطع الحضاري كانت ستحول دون المشروع والنجاح. فكان لا بد من مواصلة استعمال الإسلام في مخاطبة الجمهور مع العمل على القضاء على مؤسساته الفاعلة بتخوين نخبها والاستعاضة عنها بمؤسسات تزعم حداثية (العمال ومنظماتهم بدل الشعب) ونخب متغربة يفضلها المستعمر في التعامل السياسي وفي البحث عمن يكلفه بإتمام المهمة إذا هو اضطر للخروج.

وهذا هو الخطاب الذي عاد إليه السبسي بدهاء ورمز إليه بالتارزي الذي أعجب خروتشاف. وحتى اليسار الذي يظهر المصالحة مع شكليات الهوية المحرفة (زيارة القبور والأولياء) وافإنه لا يخفي بل يعلن نية الاستئصال الحضاري باساسيه الفعلي (الإسلاميين) والرمزي (المرجعية الإسلامية) بدليل اشتراطه المشاركة في حكومة السبسي برفض كل تعامل مع الإسلاميين. والتجمع في شكله العائد فيه وحوله مشروع افتكاك اليسار الاستئصالي لماكينة التجمع والجمع بين الماكينتين : التجمع والاتحاد أعني عكس ما كان عليه الأمر في عهدي بورقيبة وابن علي.

تلك هي نهاية المطاف في تكوين التجمع : بروز حقيقته أعني الحلف بين بقايا حزب الدستور الجديد والاتحاد لإخراج تونس من محيطها الحضاري وجعلها تابعة لميحط آخر حتى تتكون شرعية مستقلة عن شرعية الانتساب إلى الأمة فتصبح تونس أمة بدلا من أن تكون جزءا من أمة. أما بداية التجمع فهي الحزب الجديد في المرحلة الأولى من تكوينه. لذلك فالمرحلة الأولى هي قطيعة مضاعفة :

قطيعة مع إطار المعركة من الأمة الشاملة إلى القطر التابع بالجوهر الذي يحتاج إلى شرعية بديل لا تقوم إلا على أنقاض الشرعية الأولى كما حصل في تكون الدولة الوطنية الغربية بعد سقوط الوحدة المسيحية في بداية النهضة الغربية.
وقطيعة مع أدوات قيامها التي هي دائما وعند جميع الأمم مؤلفة من دور الأحياء والأموات في الوجود الروحي للجماعة : استبعاد النخب الأصيلة والرموز الأصيلة أي إن التاريخ الإسلام واللغة العربية. فهذه المقومات التي لم يستطع الاستعمار القضاء عليها طيلة مقامه (70 سنة) قضى عليها حزب بورقيبة بتعميم الفرنسية وجعل اللغة العربية لغة مقابر وبجعل تونس تابعة مطلق التبعية لفرنسا اقتصاديا وثقافيا وسياسيا.

لكن هذه الخطة كانت بحاجة إلى الخطاب المزدوج لذلك فإن أصحابها أبقوا على عليه لمغالطة الجماهير التي يراد إبعادها عن إطار المعركة التاريخية للأمة. وإذن فبداية العملية التي كان مآلها التجمع-تحالف المتغربين واليسار ضد مرجعية الأمة الروحية ووحدة دارها الجغرافية وحضارتها التاريخية- هي الاعتماد على العامة الأمية التي لا يحركها ما يسد الحاجات العليا بل ما يسد الحاجات الدنيا : العمال واتحاداتها التي هي بالطبع مهيأة للتنظيم الفاشي العنيف الذي يستعمل ضد الاتجاه الأول. وإذا وجد في صف العمال من يعارض هذا الاتجاه فإنه يصفى بسند من الاستعمار كما حصل مع الأصيل من زعمائهم (حشاد).

ولعل المعركة بين البورقيبية واليوسفية قد أتمت القطيعة لأن ما كان خفيا من المشروع أصبح جليا فكان الصدام حول موقفين من الهوية ذاتها ومن طبيعة المحيط الذي ينبغي أن تندرج فيه ثورة التحرير التونسية. فقد حسمت المعركة لصالح بورقيبة ثلاث قوى: البورقيبيون والاتحاديون والإدارة الفرنسية التي بيدها الدولة وأجهزتها. وهذه أحداث عايشتها في طفولتي : سنة 55 كنت ابن 8 سنوات ولا زلت أذكر شاحنات الجيش الفرنسي حاملة لبعض مليشيات الحزب تتعقب اليوسفيين. وقد حوصرت دارنا في أرضنا جنوب جبل إشكل ثلاث ايام وأخذوا منها سلاحنا الذي كنا نحمي به أنعامنا وأرضنا وتركونا بعد أن لم يجدوا بيننا أحدا من المقاومين.

أما المرحلة التي أتمت هذا التوضيح لطبيعة المشروع الذي يشترط أن يصبح الحزب الدستوري تجمعا بحق فهي المرحلة المخضرمة التي نتجت عن أحداث جعلت الحزب يصبح تجمعا اسما ومسمى بصورة علنية وصريحة. فهي قد بدأت بالتنافس على خلافة بورقيبة وطموح عاشور ليكون الوريث. ومن ثم فالصدام كان بين مليشيات الاتحاد ومليشيات الحزب أو ما يسمى بمعركة 1978 التي مثلت القطيعة بين الحزب والاتحاد وبداية عودة الحزب لأصله من خلال الانتقال إلى تجريب المرحلة الأصيلة والديموقراطية أعني الصلح مع الإسلاميين ومع الديموقراطية : مرحلة محمد مزالي رحمه لله وبرد ثراه.

وختمت هذه المرحلة بالقضاء على هذا التجريب بتخريب بين قام به ابن علي من خلال توظيف الإسلاميين للوصول إلى الحكم ثم توظيف اليسار لإعادة الحلف مع الاتحاد شرطا في القضاء على الصلحين بين اصل الحزب وفرعه وبين الحزب والديموقراطية مع العودة إلى ازدواج الخطاب الذي يستعمل هذين الصلحين بين أصل الحزب وفرعيه وبينه وبين الديموقراطية إلى أن حصل الصدام ثانية بين ابن علي واليسار أو بين الماكينتين : الحزب والاتحاد. وتلك هي أحداث الثورة. وما نعيشه الآن يضع التونسيين أمام خيار وحيد بين :

حلف بقايا الدستور والاتحاد بما فيه من ذوي النزعة الاستئصالية ليس للإسلاميين فحسب بل لكل صلة بالمحيط الحضاري الطبيعي لتونس وهو ما يرمز إليه مفهوم تجفيف المنابع. وهذا الحلف يبقي تونس في حرب أهلية جوهرها صدام الحضارات الداخلي المسنود بصدام الحضارات الخارجي لفرض التبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية.
أو حلف الدستور الجديد والقديم بعد مراجعة المصائب التي نتجت عن الحلف الأول والشروع في تحقيق المصالحة بين النزعة التأصيلية والنزعة التحديثية المتحررتين من الاستثناء المتبادل والتطرف الذي لم يعد مناسبا لظروف تونس والعالم : فالدولة الوطنية القطرية لم تعد ملائمة لروح العصر خاصة واصحابها تخلصوا منها لتكوين وحدات أسمى تجمع بين مستويين من المواطنة : قطرية (فرنسي مثلا) وحضارية (أوروبي مثلا) لأن ذلك هو شرط الاستقلال وعدم التبعية في عالم العولمة التي لا يعيش فيها أحرارا واسيادا إلا العمالقة.