الصدمة الإنتخابية ومنزلقات الأغبياء.. بقلم بحري العرفاوي

بداية نسجل فرحة التونسيين بنجاح الإنتخابات رغم ما شابها من خروقات لا ترقى إلى مستوى التشكيك في سلامتها، كما نسجل ما مثلته هذه الإنتخابات من ولوج تونس ميناء الأمان السياسي والسلم الأهلي رغم ما تعرضت له من تهديدات جدية بالإنزلاق إلى دائرة الإحتراب الدموي في محطات ساخنة.
غير أنه لا يمكن إلا أن نسجل أيضا أن الإنتخابات التشريعية الأخيرة مثلت صدمة حقيقية لجل التونسيين وكشفت عن معطيات عدة تصلح أن تكون مباحث خصبة للمتخصصين في العلوم السياسية والإجتماعية والنفسية.
ـ كيف تمكن تحالف الأحزاب التجمعية من تصدر المرتبة الأولى ولم تكن حملتهم الإنتخابية تنبئُ بما حصل وكأنهم تحركوا كتنظيم سري؟ ولعلهم أثبتوا بهذا ما كنا نقوله دائما ونردده أن الجماهير لا توجد في المكاتب والقاعات وإنما هي في المقاهي والأسواق والملاعب والشوارع ومحطات ووسائل النقل العمومي.
بعض منخرطي أحزاب أخرى يستنكفون من مخالطة الناس يجمعون
بعضهم في فضاءات مغلقة ويخطبون على أنفسهم إما خطاب الرضا والإعجاب وإما خطاب شتيمة الآخرين وتحقيرهم.
ـ ولايات الشمال التي انتصرت للنظام القديم ليس لأن أهلها أقل وعيا وشجاعة كما يريد البعضُ الإيحاء به وإنما لأنهم تعرضوا عبر الحكومات السابقة إلى سوء المعاملة ثم لم تنهض بهم حكومات “الثورة” بل وجدوا أنفسهم في وضعية أسوء حين التبست جغرافيتهم بأبشع توصيف وهو “الإرهاب” فجل الذين اتُّهموا به وجل الذين قُتلوا من الشباب ومن العسكريين ومن الأمنيين إنما هم في الغالب أبناء الشمال المُفقر.التصويت في الجنوب لحركة النهضة إنما مرده إلى النشأة التاريخية للحركة وإلى كون أغلب قيادات ورموز الحركة إنما هم من الجنوب.
ـ على خطاب النعرات الجهوية أن يكفوا عن تصنيف التونسيين تصنيفا مولدا للأحقاد والفتن وأن يبحثوا عن الأسباب العميقة وراء التصويت المكثف في ولايات الشمال للنظام القديم.. كما على الذين يلعنون الشعب بسبب نتائج الصناديق أن يسألوا أنفسهم إن كانوا هم من أساء التواصل مع التونسيين وإن كانوا هم من نفروا الناس منهم سواء بخطابهم أو بأدائهم أو بعدم القدرة على الدفاع عن أنفسهم وعلى كشف حقيقة خصومهم… نحن لا نتهم دائما من لا يفهمنا بعدم الفهم وإنما علينا أن نتهم أنفسنا أحيانا بعدم القدرة على الإفهام.. وعلينا أيضا ألا نحمل الآخرين دائما المسؤولية الكاملة في خصومتنا معهم وإنما يجب أن نبحث عن نصيبنا نحن في تلك الخصومة.
وحدهم الأغبياء يريدون أن تجري الامور وفق شهواتهم لا وفق منطق التاريخ وقانون الظواهر.
ـ الصادم في هذه الإنتخابات هو عزوف فئة شبه الكلي عن المشاركة في العملية وفي ذل
ك أكثر من الرسالة للذين أفرزتهم الصناديق وللذين ألغتهم تماما من الساحة السياسية… كيف لم ينجذب الشباب لا للخطاب القديم ولا لخطاب الحداثة ولا لخطاب الهوية والحرية والتنمية؟
ـ نتائج الإنتخابات الصادمة هذه تدفع إلى التساؤل عن حقيقة “الثورة” التي حدثت وعن قادة “الثورة” وعن مضامين “الثورة” وعن مدى ثورية الشعب التونسي أو مدى ثورية طلائعه السياسية تحديدا؟ كما تدفع إلى التساؤل عن مدى نجاعة النقاوة السياسية والنوايا الحسنة في مواجهة الأخطبوط السري المدرب على صناعة الأحداث الكبرى بعيدا عن المشهدية السياسية والإستعراض الفرجوي.
ـ النتائج تعطي فرصة كبيرة لتشكيل توافق حكومي بين الطرفين الكبيرين في المشهد الراهن يمكن أن يحقق استقرارا مهما للتنمية والإستثمار ويسهم في تحقيق الأمن المدني والأمان النفسي خاصة في مرحلة اقتصادية صعبة وفي وضع إقليمي مضطرب..التوافق ليس بالضرورة على قاعدة اقتسام الحقائب وإنما يمكن أن يكون بإعلان التوافق على عناوين المرحلة وأولوياتها والتعهد بتقديم معركة التنمية والأمن على المعارك الإيديولوجية حتى لا تغرق البلاد مرة أخرى في أوحال “بلاتوهات” الإثارة والعراك والإسفاف.

 ـ بعض الإستئصاليين ممن يعانون ضغائن إيديولوجية سُيصيبهم الوهم وسينزلقون بغباء تقليدي فيشتغلون كعادتهم في التصفية الإيديولوجية وتلك مهنتهم القديمة حين اشتغلوا جرافات وكاسحاتٍ ثقافية وصانعي فتاوى الذبح…سيعملون على تعطيل أي توافق وسينهجون منهج ابن سلول في إشعال الفتن وسيكونون سببا كالعادة دائما في صرف الإهتمام عن قضايا الناس الحقيقية نحو تصفية حسابات عَقدية.
ـ النهضة تبدو في وضعية مريحة جدا بما حققته من نتائج فهي يمكن أن تكون في المعارضة بعدد كبير من النواب في حالة من التنظم والتوحد ولن يكون من السهل على أي حكومة أن تشتغل بعيدا عن فعل وعيون هذه المعارضة وستتخفف من أعباء الحكم وقد مارسته في ظروف صعبة ومعقدة ولم تكسب منه غير التهم بالعجز والفشل وغير فقدان عدد لا بأس به من المتعاطفين وحتى من القواعد. كما يمكن أن تكون شريكة في حكومة توافقية وفاء لشعاراتها التي ظلت ترفعها ولكن دون أن تبادر هي إلى طلب التشريك.
المرحلة القادمة ستتشكل ملامحها وِفق أحدِ خيارين:التوافق أو الإحتراب.
ثمة كثير مما يبشر بحظوظ تعاون الطبقة السياسية العاقلة من أجل الخروج من منطقة الحرج الإقتصادي والأمني وثمة أيضا توجس حقيقي من أن يكون لبعض “المُعقدين” تأثير في تلويث البيئة السياسية كما هو صنيعهم السيئ دائما فيضيعون على التونسيين سنوات أخرى تُصرف في الهرج واللغو وبلاتوهات استعراض الحماقات والسخف….على مثقفي الحرية والمستقبل أن يتجندوا لخوض المعركة المقدسة ضد “الموبوئين”.

كاتب  و شاعر و محلل سياسي