خطير: هكذا تحرّكت آلة التّزوير في الإنتخابات التّشريعية

رغم الجهد الكبير الذي قامت به الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لضمان حرية ونزاهة وشفافية الانتخابات،ـ

ورغم التزام غالبية الأحزاب، يسارا ويمينا، بقواعد اللعبة الديمقراطية وبالنصوص المنظمة للعملية الانتخابية،ـ

ورغم الحضور المكثف للملاحظين المحليين والدوليين،،ـ

فإن المعطيات التي بلغتني يوم 26 أكتوبر 2014 في قاعة العمليات بتنيسقية شاهد جعلتني أشعر أن ما حصل يفوق بكثير مجرد التجاوزات والخروقات القانونية المعهودة لتبلغ درجة التزوير الممنهج..

لن أتحدث عن التجاوزات التقليدية المعهودة التي مارسها أنصار العديد من الأحزاب من مثل خرق الصمت الانتخابي والدعاية والإشهار بين صفوف الناخبين أو خارج مراكز الاقتراع، فإنني أقدر أنها لم تكن بالحجم ولا الخطورة التي يمكن أن تغير النتائج…

بل أعني ما قامت به المجموعات المحسوبة على نداء تونس الذي بلغ في حجمه وامتداده وتواصله إلى ما يمكن اعتباره تزويرا ممنهجا ومنظما..ـ

فمنذ الساعة السابعة صباحا من يوم 26 أكتوبر لم تنفك مكالمات وارساليات أكثر من 2400 ملاحظ موزعين على كامل تراب الجمهورية التأكيد على المعطيات الخطيرة التالية:

– عن وجود جماعات تحمل شعارات النداء تمارس الهرسلة والضغط على المواطنين للتصويت للنداء أمام مراكز الاقتراع وداخلها، وبلغ الأمر ببعضهم أن انتحل صفة رئيس مركز أو مكتب اقتراع لتوجيه الناخبين، وغالط بعضهم كبار السن والأميين بتوجيههم للتصويت خطأ لرقم نداء تونس بدلا عن أرقام الأحزاب التي يرغبون في التصويت لها.

– عن وجود عربات كبيرة بعضها تحمل لافتات النداء تقوم بجلب الناخبين وخصوصا من الشباب العاطل عن العمل إلى مراكز الاقتراع، وروى بعض الملاحظين على استعمال دفاتر مناداة وعن عمليات نداء على أسماء الأشخاص الذين جلبتهم العربات قبل دخولهم للتصويت.

– عن سيارات أمام المراكز توزع الأمول على مجموعات من المواطنين بعد أداء مهمتهم في التصويت وعلى أعداد من المنحرفين الذين وقع جلبهم للقيام بمهام الهرسلة والضغط على الناخبين ، ويؤكد الملاحظون أنها تتبع للنداء أو موضوعة على ذمة النداء ويقودها أعضاء من النداء. كما تحدث بعض الملاحظين عن تسخير النداء لبعض المحلات القريبة من بعض المراكز الانتخابية لتنظيم وإدارة مختلف هذه العمليات.

– عن ممارسة العنف أو التهديد به ضد ممثلي الأحزاب الأخرى ومضايقة المراقبين والملاحظين، وقد هاجمت مجموعة منهم إحدى الملاحظات المتنقلات التابعة لتنسيقية شاهد بتونس 1 لما قامت بتوثيق إحدى التجاوزات ومحاولة افتكاك دفترها ووثائقها.

– عن تساهل العديد من رؤساء المراكز والمكاتب مع هذه التجاوزات الخطيرة ومشاركة بعضهم فيها،، كما بلغنا أن بعض رجال الأمن المطالبين بحماية المراكزو التزام الحياد قد انخرطوا في الدعاية للنداء

– عن عدم التثبت بما يكفي في بطاقات الهوية للتأكد من أنها لحامليها وليست لغيرهم…

وإذا أضيف إلى ذلك ما بلغنا من غير مصادرنا وملاحظينا:

– عن حصول عمليات تسريب لبطاقات التصويت قبل يوم الاقتراع واكتشاف أعداد منها لدى عناصر محسوبة على النداء.

– عن محاولات العبث بالصناديق ومحتوياتها، بعضها حصل قبل فتح المكاتب وبعضها حصل بعد انتهاء الفرز وقبل نقلها لمراكز التجميع

– عن اكتشاف أعداد من أوراق التصويت بالصناديق أكبر بكثير من عدد المقترعين كما بلغنا عن أحد المكاتب من ولاية باجة.

– اكتشاف أوراق بيضاء أو مزورة من غير التي طبعتها الهيأة في بعض الصناديق،،ـ

– عن اكتشاف أوراق انتخاب ملقاة خارج مكاتب الاقتراع بعد انتهاء عملية التصويت

– سماح بعض رؤساء المكاتب للعديد من الناس من التصويت من دون أن يكونوا من الناخبين وتسجيل أسمائهم في قوائم إضافية

فإنه يمكننا الاستنتاج أن محاولة لتزوير النتائج قامت بها نفس ماكينة التزوير المتعودة على ذلك خلال عهد بن علي،،، وأن هذه الماكينة قد طورت وسائلها وطرقها لتتمكن من مغالطة الرقابة الشديدة التي تفرضها الهيئة ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الأحزاب، وقد استعدت لها وتدربت عليها منذ أشهر، وسخرت لذلك امكانيات مالية ضخمة وشبكة علاقات الدولة العميقة وتجهيزاتها…

ومن أبرز التقنيات التي اعتمدتها هذه الماكينة تقنية الورقة الدوارة التي حذر منها الكثيرون منذ أشهر،،، ولئن اعتبر البعض أنها معقدة وغير فعالة، فإن استخدامها بشكل مكثف وصناعي يمكنه أن يُحدث الفارق، وتتلخص هذه التقنية فيما يلي:

– تفترض هذه التقنية حصول القائمة الراغبة في التزوير أولا على نسخ مسربة من بطاقات الاقتراع أو نموذج سليم منها وطبع نسخ منها،،، والحلول يسيرة فيما بعد لوضع أختام عليها من جهاتها الأربع (ولو كانت أختاما مشابهة في الشكل، لأن لا أحد سيجد الوقت والفرصة للتدقيق فيها )

– جلب الأشخاص المستعدين للقيام بالمهمة القذرة ضمن عربات أو مجموعات أمام مراكز الاقتراع بعد تدريب بسيط على العملية ووعدهم بالمال مع مسك سجلات بأسمائهم لترهيبهم من محاولة افشاء سر العملية. وقد وقع الاختيار على المنحرفين والعاطلين أو المُعدمين لتنفيذ هذه المهمة.

– يقع تسليم كل فرد من المجموعة الأولى من الناخبين المزورين بطاقة اقتراع مزورة بعد أن وقع التأشير فيها على موقع حزب نداء تونس ليخفيها في طيات ثيابه، وحين يدخل مكتب الاقتراع يستلم ورقة بيضاء سليمة وفي الخلوة يُخفيها في طيات ملابسه بعد أن يُخرج الورقة المزورة ليضعها في الصندوق.

– يخرج الناخب القائم بالتزوير بالورقة البيضاء السليمة ويسلمها لسادته الذين كلفوه بالمهمة بما يؤكد قيامه بالمهمة المطلوبة قبل أن يستلم المبلغ المالي الموعود به.

– تعاد العملية بعد ذلك الكرة تلو الكرة لكن هذه المرة بأوراق سليمة مُسربة من داخل مكاتب الاقتراع.

من مميزات هذه الطريقة أنه رغم تعقيدها فإنها ناجعة ويصعب كشفها من خلال أدوات المراقبة التقليدية، وهي الطريقة الوحيدة التي تضمن أن يصوت من قبض مالا للقائمة التي اشترت صوته ويلغي دور الخلوة…

لكن يبقى رغم كل هذه المعطيات والقرائن على وجود عمليات تزوير وتلاعب، فإن من مصلحة نجاح ديمقراطيتنا عدم السقوط في فخ التشكيك في كامل العملية الانتخابية، لأنه لن يخدم سوى مصالح ماكينة التزوير القديمة ويبرر عودة الديكتاتورية.

يبقى أنه على كل الأطراف التي تمتلك أدلة وحجج على التلاعب أو التزوير أو الخرق الفاضح للقانون أن تتقدم للقضاء للطعن في النتائج…

أما دون ذلك، فعلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن تحدث تغييرات عاجلة في الاجراءات وتطور في أساليب المراقبة بما يُقلص هامش نجاح مثل هذه الممارسات خلال الانتخابات الرئاسية القادمة،،، وعلى منظمات المجتمع المدني أن تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى الجديد وتسعى لكشف كل محاولة تزوير أوغش أو تلاعب بالقانون أو ضغط على رؤساء ومكاتب الاقتراع أو هرسلة أو مغالطة للناخبين…

المطلوب أكيدا أن لا تتكرر هذه الممارسات الخسيسة خلال الانتخابات الرئاسية،،، لأنه عندها سنقول سلاما على التحول الديمقراطي في تونس…

نبيل العبّاسي