انتخاب ام انقلاب.. بقلم د.جمال بوعجاجة

بعيدا عن القراءة التمجيدية المتعالية التي يلوذ اليها اصحاب العقد التاريخية من الظاهرة الاسلامية وبعيدا عن المقاربة النقدية التي قد تصل إلى جلد الذات في محاسبة تجربة الحكم الناشئة في مسار الحركة الاسلامية فإنه من الممكن التأكيد على الملاحظات التالية مدخلا لمقاربة نتائج الانتخابات:
1ـ لقد كشفت الانتخابات عن فرز اولي بين مسارين متقابلين تاريخيا هما مسار السلطة التقليدية المحافظة ومسار السلطة الناشئة الاصلاحية والثورية من جهة ومسار الجنوب الثائر المصطف خلف جبهة الممانعة للمركز و الانسلاخوية وجبهة الساحل والشمال الموالي لسلطة العاصمة والتحديث المشوه.
2ـ لقد حقق الاسلاميون مركز مريحا رغم القصف الاعلامي والارهابي والتنموي والايديولوجي حيث ان التخفف من اعباء الحكم فرصة تاريخية لاستعادة الالق الشعبي ومراقبة الحكومة بشكل دقيق وحماية ظهر الثورة ثقافيا ةسياسيا.
3ـ تأكد التمايز بين رقي الممارسة الانتخابية والسياسية النظيفة عند الاسلاميين بعيدا عن الغش و التزييف و استعمال المال السياسي الفاسد والوعود الكاذبة و قذارة الالاعيب الدعائية الرخيصة التي انتهجها النظام القديم باستعادة آليات الارتشاء السياسي و خرق الصمت الانتخابي والدعاية بين صفوف الناخبين وتشويه الخصوم اخلاقيا .
4 ـ تكشفت سعة افق الاسلاميين في الحكم حيث بشروا بالتوافق والحكومة الوطنية و التعايش السلمي بين مختلف الفرقاء وفق ما يفرزه الصندوق من نتائج والاحتكام الى التحصين الديمقراطي الشعبي للثورة دون فرض منطق الوصاية على الشعب في حين بدا للعيان ضيق افق النظام القديم الذي بشر انصاره بالمشانق والسجون والتفرد بالحكم
.
5ـ لقد اقتلع الاسلاميون مرتبة متقدمة في منافسة نظام قديم طالما حرمهم من التنافس الشريف طيلة عقود بتزييف اصوات الناخبين و تقدموا على المعارضة التي تواطات مع منظومة الفساد او اندثرت وتراجعت لجشعها وسوء حساباتها.
6ـ لقد واجه الاسلاميون بمفردهم أكثر من جبهة كما كان شانهم تاريخيا حيث تحملوا بمفردهم اعباء الحكم و تحصين الثورة و مواجهة الفساد وهم عزل من اي سند اسلامي او حداثي او ديمقراطي الا ما توفر لهم من تعاطف شعبي مع قاعدة عريضة من الطبقة المهمشة والوسطى التي مثلت خزانا وحاضنة ثابتة.
حاز الاسلاميون إذن شرف انجاح الانتخابات بكل أمانة ومصداقية فكظموا الغيض ازاء اخلالات حقيقية خلال عملية الانتخاب تعويلا على سلطة القانون و إمكانية النظر في الطعون والتجاوزات في حين حافظ النظام النظام القديم المتحالف مع اليسار الاستئصالي على الاعيبه الشيطانية و ضعف وعيه الديمقراطي .
كانت هذه المعركة الانتخابية ضمانا لتجنيب تونس حمام الدم والحرب الاهلية بالاحتكام الى برودة الاعصاب و رجاحة العقل بما يمثل درسا في الديمقراطية قد تدرك اسراره الاجيال القادمة والامم الراقية لا انتهازيو الثورات ومتسلقو الانتخابات.
لقد عاش الاسلاميون عرسا انتخابيا رائعا في حين مارس النظام القديم انقلابا اعلاميا على هيئة الانتخابات وانقلابا امنيا بتغذية الارهاب وانقلابا شعبيا بتزييف وعي الناخبين وانقلابا اخلاقيا بممارسة الكذب والخداع والرشوة والعنف ، فانتصرت تونس في الاخير وسيسجل التاريخ بقية اطوار المعركة.