د.نجيب القروي: و أخيرا أقنعني “نداء تونس”… أن أنتخب “النّهضة”

لأنّنا ننتظر من نتائج هذه الانتخابات أن تضعنا على طريق جديد ، على درب مستقبل مشرق و خاصة مستقبل أبنائنا و أجيال التونسيين القادمة،
لأنّها من المفترض أن تضع أسس التعايش بيننا ، أسس ثقافة جديدة حديثة تقطع مع ثقافة الاقصاء و ممارسات الاستبداد و التفرّد بالرأي و الحكم ، ثقافة التداول مع الاستمرارية في بناء مجتمع قوامه الحرّية و الأمن و الرقي على يد كافة أبنائه بدون استثناء ، كلّهم سواسية أمام المواطنة ،
 لأنّه ينبغي علينا أن نشرع في البناء ، يد واحدة مع اختلافنا الذي لن يزول أبدا ، لأنّه سنّة الحياة ، و لذلك خُلقنا ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ”
تأمّلت بل و لاحقتني مشاهد و ملاحظات ، و خاصة في الأيام الأخيرة ، حيث عدت أمس من السفر و كانت جارتي في الطائرة سيّدة “حداثية” مناصرة لنداء تونس و عملت سابقا مع رئيسه السيد الباجي قايد السبسي ، و شاهَدْت على الفايسبوك مشهد سي الباجي ساجدا في مقام الولي أبو لبابة الأنصاري ، و وصلني اليوم بريد إلكتروني من “توريزم أنفو” ممضى “عفيف كشك” يدعو أحبّاء السياحة و اللهو و الجو و السهرات الليلية إلى “التصويت المفيد” ، و اطّلعت على صفحة أحد زملائي (طبيب) يدعونا إلى إقناع المرضى بالتصويت لصالح نداء تونس ، و على صفحة زميل آخر هذا “المزاح” : – أخي المسلم ، أختي المسلمة ، يجوز لكم سرقة بطاقة التعريف لأي شخص في العائلة ناوي يصوت للنهضة … و لكم أجر انشالله – ، و أشاهد و أسمع منذ أيّام و أيّام فحوى الحملات الانتخابية ، و صداها في الإعلام المضخّم الهائل للصوت و المؤثّر الكبير في صناعة الرأي العام ، و أطّلع على صفحات التواصل الاجتماعي على دعوات و نبرات أنصار هؤلاء و أولئك
فماذا شاهدت و سمعت و استقرّ بذهني ؟ و سأقتصر على “الكبيرين” لضرورة الإيجاز
شاهدت أنصار “نداء تونس” لا يدعون إلى برنامج و لا بناء و إنّما إلى “التصويت المفيد” لإلغاء الآخر و “هدمه” و التصنيف و التفرقة بين فئات من هذا المجتمع – و هذا كل المشروع الذي جمعهم – بينما وجدت خطاب “النهضة” يدعو للوفاق و التوافق و الوحدة الوطنية

يقولون انتخبونا لأن “النهضة” خطر عليكم و لم يقنعوني بأنّهم أفضل منها بينما عمودهم الفقري مكوّن من جماهير ممّن ذُقنا على أيديهم الويلات في العهود البائدة و برهنوا بالفعل لا بالقول أنهم خطر ثار ضدّه الشعب بعد عناء طويل و مرير . فهل “نهرب من القطرة لنعود و نضع أنفسنا من جديد تحت الميزاب” ؟ هل يُلدغ المرء مرّة أخرى من نفس الجحر الذي اكتوى منه طويييلا ؟؟
سمعت في خطاب أنصار النداء لغة تعالٍ و تشفّي و دعوات انقام و وعود بالعودة إلى زمن الاقصاء الغابر و السجون و التعذيب ، و ألتفت إلى النهضة فأجد خطاب القطع مع الماضي و رموزه و التعايش بين أبناء الوطن الواحد على أساس المواطنة و الحقوق و الواجبات

سمعت من رفيقة السفر التي تعرّفت عليها أمس في الطائرة كل “الكليشيات” و الصور النمطية في سرد مسترسل سلس ، لم أستطع التأكّد هل أنّها فعلا أُشرِبت إيّاها طواعية حتّى الاقتناع بفعل التكرار أم أنّها تستبلهني إلى هذه الدرجة ؟

و شاهدت على صفحات التواصل وابلا من الكره و الشحن و البغضاء ما لا يُنبئ بتكريس ثقافة تعايش في المستقبل بل إلى تهيئة جو من تعميق الفرقة و العنف و التقاتل .

رأيت خطرا داهما على الديمقراطية و الحرّية التي ذقنا طعمها و لن نستطيع أن نعيش في المستقبل دونها .

و مقابل ذلك تذكّرت الحرّية التي نعمنا بها في السنوات الأولى بعد هروب الطاغية ، و التي بدأ يسلبنا إيّاها السيد المهدي جمعة تدريجيا ، و تصوّرت نهاية المطاف لو تواصل هذا الانحدار على يد من لم يعودوا يخفون حنينهم لزمن الظلام و القهر و عزمهم على العودة إليه ، و اعتبارهم للسلطة كأداة لقمع خصومهم و فرض خياراتهم بالقوة ، و ما بالطبع لا يتغيّر ، و من شبّ على شيء شاب عليه …

بفضل كل ذلك و كل الخواطر التي يطول سردها هنا ، و رغم مؤاخذاتي على عدد من قيادات حركة النهضة و أخطائهم في إدارة الحكم – و التي لا يفسّر جميعها التشويش الرهيب الذي قامت به العديد من الأطراف لإرباكهم و منعهم من إدارة شؤون البلاد بهدوء و تروّي – إلاّ أنّني اقتنعت اليوم ، بفضل “نداء تونس” ، أنّه عليّ إعادة انتخاب النهضة إذا أردت أن أنعم و أبنائي و أحفادي بجو الحرية و التعايش الذي وحده يسمح بالرقي الدائم و العمل المشترك من أجل تونس و مستقبل أبنائها . مع أمل أن تكون قيادات “النهضة” قد تعلّمت الدّروس الضرورية من فترة مرورها بالحكم و من أخطائها العديدة .

هذا بالنسبة لي هو “التصويت المفيد” … لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية… فلا نضيّعها هدرا …