لماذا يجب أن أنتخب يوم الأحد 26 أكتوبر ؟ و من أنتخب ؟

المحرر – بقلم. د. نجيب القروي – أنتخب لأوفّر لتونس فرصة انطلاقة جديدة و استقرار يضمن ظروف الخروج من أزمة عشرات السنين اتّسمت بتهميش المواطن و التفرّد بالرّأي و الخيارات الفوقية و الظلم الاجتماعي و تغليب المصالح الفئوية و الاستبداد و الاقصاء و القهر … كل ذلك الذي خلق الاحتقان في صفوف فئات عريضة من شعبنا و أوجد مكوّنات الانفجار ثم الانفلات و التباس المفاهيم بين الحرّية و الفوضى و التوقف عن العمل ، و بين الديمقراطية و التخريب و العداوات و السب و الشتم و التجريح و القذف و الافتراء بين مكوّنات الشعب الواحد و المجتمع الواحد ، و أفرز فئات تدّعي الوطنية و تنفيها عن مخالفيها و تنكر عنها بكل وقاحة حتى صفة “التّونسة” ، محتكرة إيّاها (بأي حق؟) لنفسها كمقدّمة لنسف غيرها و سلبه حقوقه.
من أنتخب إذا للخروج نهائيا من هذا النفق و الدخول دون رجعة في حركة متناغمة جديدة تحملنا في اتّجاه مستقبل مشرق يشارك في صنعه جميع التونسيين مهما كان لونهم و مهما كانت صفة الحاكم الذي يفرزه الاختيار الشعبي عبر صناديق الاقتراع ؟ عبر ديناميكية مُجمَع عليها من التداول السلمي على السلطة.
أكيد أن هناك اختيارات عديدة يمكن أن تحقّق هذه الأهداف و ليست الحقيقة و الكفاءة مملوكة من طرف واحد مُلهَم و منقذ لا نجاة إلاّ على يديه . و لكن أكيد أيضا أن هناك خيارات لن يكون لها من أثر إلاّ إعادتنا إلى المربّع الذي ظننّا أنّنا قد خرجنا منه بدون رجعة . خيارات ردّة لا سمح الله تدفعنا من جديد نحو النفق المظلم لا يعلم إلاّ الله كيف يكون الخروج منه و بأي ثمن على البلاد و العباد و أجيالنا القادمة .
فالسؤال الملح يصبح هنا : من ينبغي عليّ أن لا أنتخب ؟؟؟ إذا كنتُ حريصا على سلامتنا جميعا . ما هي مواصفات هؤلاء الذين يشكّلون خطرا على مستقبل تونس في كنف السلم و النماء ؟
لن أنتخب من يدعو إلى تقسيم التونسيين و إقصاء بعضهم منصّبا نفسه بنفسه وصيّا و مسندا لنفسه صفة الحقيقة و الحديث باسمها ، و ملوّحا من الآن بالزج بمخالفيه في السجون ، و “من المرسى بدا يمقذف”
لن أنتخب من كانت له يد في الظلام الذي عشناه لعقود و لو تستّر بمسمّيات جديدة ، و من يمجّد تلك الظلمات و صانعيها و يحنّ إليها و لا ينقدها أو يراجعها بل يطوق إلى العودة لنفس ممارساتها و “قيَمها”
لن أنتخب من يتهكّم على “الثورة” (رغم نقائصها) و يستصغر من شأنها و شأن صانعيها، فتلك مقدّمة للإلتفاف على أهدافها و طيّ صفحتها و التحصّن من العودة إليها
لن أنتخب من يبدى صراحة التّصادم مع هويّة هذا الشعب و هو مقدّمة لمحاولة يائسة جديدة لبتره من أهم مقوّماته . و لن تكون هذه المحاولة إلاّ بإرساء دكتاتورية جديدة ستفشل بعد حين كما فشلت سابقاتها ، و لكن بعد أن ندفع ثمنا باهظا من العنف و التقاتل و الركود أو التقهقر . و لا يزال يدوّي في أذني ذلك البيان النقابي المشئوم في سبتمبر الماضي و الذي اعترض بعنف و توتّر شديدين و ألفاظ غريبة عنّا ، على تدريب أجداد و آباء لتونسيين على أداء مناسك الحج في فضاء مؤسّسة تعليم عالي . لهذا الحد وصل كفر بعضهم ، ليس على حد أنفسهم فهذا حقّهم ، و لكن محاولة يائسة و منبتّة و غير متخفّية لدفع الدين و محاربته في كافة المناسبات و المرافق . حتى و لو لك تكن أي شبهة يجدونها لاستعمال سياسي أو متاجرة به كما يقولون أو غير ذلك .
لن أنتخب من بدأ يلوّح بعدم القبول بنتائج الانتخابات إن لم تكن متوافقة مع انتظاراته و توقّعاته ، عملا بمقولة “نربح ولاّ نحرّم”
و أخيرا لن أنتخب من يطلب منّا انتخابه فقط لأن غيره “سيّء” ، و لا يقدّم لنا نفسه و لا برامجه . حيث أن سوء غيرك المفترض لا يجعل منك بالضّرورة بديلا “جيّدا” حتّى تثبت لنا أنّك على الأقل لست أسوء منه . فمثل ما قال أحدهم ” إنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا… لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي” ، فإن حديثنا قياس …
هذه تسمّى “طريقة الإزالة” raisonnement par élimination . فحين أتأكد أنّني أزحت من نية تصويتي أولئك الذين يشكّلون خطرا على مستقبل التعايش السلمي بيننا كأبناء وطن واحد متساوون في الحقوق و الواجبات ، و مجازفة بالحرّية التي اكتسبناها حديثا ، يمكنني بعدها إعمال فكري في من تبقّوا و انتخاب من أراهم صالحون و تقنعني برامجهم. مع احتمال الخطأ مثل ما يقع في كل الديمقراطيات . و الخطأ إن وُجد يُصحّح بعد انقضاء الفترة النيابية بنفس طريقة الاقتراع التي جاءت بالسابقين . و ذلك هو التداول السلمي الذي لا مفرّ منه إن أردنا التعايش و تحكيم قواعد لعبة ترضي الجميع … أو على الأقل الأغلبية… عدى المستبدّين المتكبّرين على الشعب و خياراته و قراراته.