بعيدا عن إعلام عبد الوهاب عبد الله.. هكذا تحدّث إعلامي مصري عن تونس…

“أعترف بأن زيارتى الأولى إلى تونس تأخرت كثيراً.. كنت أمنى نفسى بهذه الزيارة منذ انطلاق قطار الربيع العربى من محطة سيدى بوزيد فى أواخر ديسمبر 2010.. خططت لها عدة مرات، وفى كل مرة يقع ما يحول دون إتمامها.. خمسة أيام بالتمام والكمال قضيتها متنقلاً بين تونس العاصمة والقرية الساحرة سيدى بوسعيد وجارتها الخلابة قرطاج، حملتُ بنهايتها انطباعات سائحٍ تناسى عن قصدٍ كونه إعلامياً، ليهرب مؤقتاً من الكلام فى السياسة!

فى الشارع الشهير (الحبيب بورقيبة) وسط العاصمة، كنت أتأمل وجوه الجالسين فى المقاهى المنتشرة على الجانبين.. مئات من شباب وشابات ورجال ونساء وأطفال تونسيين وأجانب، تحسبهم لكثرتهم وكأنهم تواعدوا على اللقاء فى ساعة واحدة، بينما تقف عدة دوريات للشرطة فى الممشى الذى يتوسط الشارع، من تمثال ابن خلدون إلى ساحة «١٤ يناير» بطريقة تشعرك بالأمان. غير أن هذا الشعور -على أهميته- لا يقارَن بشعور أروع يفتقده السائح فى شوارع القاهرة، وهو الشعور بالخصوصية.. أن يسير دون أن تلاحقه عبارات متطفلين (إن كان السائح رجلاً) أو متحرشين (إن كانت سائحة يتراوح عمرها بين الثانية عشرة والثانية والستين)!! أغلب التونسيات والأجنبيات يرتدين ملابس عصرية، ومع ذلك لا أثرَ لتحرش لفظى أو جسدى!

قلت لنفسى: ربما كان الأمر مرتبطاً بوسط العاصمة حيث الانتشار الأمنى، بالقرب من وزارة الداخلية وسفارة فرنسا.. حملت شكوكى وتوجهت إلى السوق القديم الذى يشبه خان الخليلى.. أزقةٌ ضيقة تمتد من باب البحر إلى جامع الزيتونة العتيق.. دكاكين تعرض ما يجذب زوار تونس، من الموزاييك والخزف والمشغولات اليدوية والعطور والحلويات وغيرها.. غالبية الباعة لا ينظرون نحوك، وكأن وجودك لا يعنيهم حتى لو وقفت تقلب فى بضاعتهم كيفما شئت.. فقط يعرض البائع عليك الشراء باستحياء وأدب إن شعر أنك جاد، ويتركك بسلام إن ذهبت إلى حال سبيلك دون شراء.. عدا ذلك أنت حرٌ فى سيرك وفى وقوفك وفى جلوسك داخل مقهى على الطراز الأوروبى أو آخر شعبى.. لا فرق..

عدتُ لأقول لنفسى: لا شىء يحدد مفهوم الخصوصية غير أن تضع نفسك داخل تاكسى وتنطلق إلى أى مكان.. وقد كان.. حددت وجهتى الأولى إلى سيدى بوسعيد.. قريةٌ تستكين فى وداعة على ربوة تعلو البحر المتوسط، وتجعل النظر إليه من إحدى تلالها متعةً تعجز الكلمات عن وصفها.. استوقفت تاكسى وتوكلت على الله.. العداد شغال.. الراديو يبث أغنية لعمرو دياب..

اتصالٌ هاتفى من القاهرة يَفهمُ منه السائق هويتى، لكنه لم يفتح معى حديثاً إلا بعد أن شجعته على ذلك.. سألت عن أحوال البلد والاستعدادات للانتخابات الرئاسية.. أجاب بلهجة قنوعة: ليس فى الإمكان أبدع مما نعيشه.. حمدَ الله وشكره لأن الأمور لم تنزلق إلى ما يجرى فى الجارة ليبيا.. لم يشكُ لى ارتفاع أسعار البنزين وغلاء المعيشة ووفاة خالته ولم يتطرق إلى زيادة مصاريف مدرسة الأولاد وقرب موعد تسديد قسط التاكسى!..

لم يستغل كونى أجنبياً ليحتفظ بالباقى لنفسه حين دفعت الأجرة، ولم يكن استثناءً، بل كان مثالاً لجميع سائقى التاكسى الذين لجأت لخدماتهم أربع أو خمس مرات فى اليوم الواحد!.. فى مناطق قرطاج الأثرية أبهرتنى النظافة وأدهشنى النظام.. صادفت على شاطئ البحر مقر إقامة السفير المصرى.. يجاور سفيرنا البحرَ من جهة، وما أهداه للبشرية أبناءُ الحضارة الرومانية من جهة ثانية.. صَليت على النبى كى لا أحسد الرجل!.. فى محيط متحف قرطاج لا شبهةَ لوجود قمامة، ولا عشوائيةَ فى التعامل مع الزوار.. لم أجد باعةً جائلين، بل وجدت أكشاكاً متراصة بنظام، يعرض أصحابها تذكارات تغريك بالشراء بطيب خاطر، لم أصادف أشخاصاً يبتزونك لتقديم خدمات لم تطلبها ولست فى حاجة إليها..

لم يقتحم جولتك منْ يقول لك كإنسان آلى: كل سنة وانت طيب يا باشا!.. خمسة أيام أسعدنى الحظ بعدم سماع هذه العبارة التى تتردد فى مصر قبل العيد بستة أشهر وبعده بستة أشهر ليحصل قائلها على المعلوم!.. سمعت فقط: «عيدك مبروك».. عبارة قصيرة تشعرك بصدق صاحبها وعدم انتظاره أى شىء منك أو من غيرك!.. مرة أخرى قلت لنفسى أسألها: هل أنا مُبالغ؟!.. هل أظلم بلدياتى بوضعهم فى هذه المقارنة؟!.. هل أتجنى عليهم؟!

ربما.. لكن إحساسك بأنك على حق يحمل لك معاناةً لست بحاجة إليها، على الأقل أثناء هذه الرحلة.. كل شىء كان يسير بالصورة التى تمنيت أن تكون فى مصر.. أو بالأحرى بالشكل الطبيعى، الذى يصبح ما عداه مصدراً للإزعاج والتوتر وحرقة الدم.. تذكرت الجملة الشهيرة: الإجابة تونس!.. رددها المصريون حين ثار التونسيون على الرئيس السابق زين العائدين بن على، وعادوا لترديدها مجدداً حين تعامل قادة حركة النهضة (الفرع التونسى من الإخوان المسلمين) بذكاء مع مسألة وصولهم إلى السلطة، واستفادوا من خطايا إخوانهم فى مصر، فلم يفقدوا صوابهم حين خرج التونسيون إلى الشارع معترضين على الطريقة التى أدار بها رئيس الحكومة الإخوانى البلاد..

فى اليوم الأخير جلستُ داخل أحد المقاهى وطلبت نوعاً من الحلويات التونسية.. فوجئت بأن ما طلبته يكفى لثلاثة أشخاص.. فكرت أن أترك ما تبقى لكنى قررت أن أخذه (تيك أواى) وأعطيه لأى شحاذ فى الشارع.. وهنا كانت المفاجأة.. اكتشفت أننى لم ألحظ طوال الأيام الخمسة وجود شحاذين فى أى مكان زرته!.. معقولة؟!.. سافرت إلى أكثر من خمسين بلداً بما فى ذلك بلدان تنتمى لما يعرف بالعالم الأول، وكان من المألوف فى معظم تلك البلدان مشهدُ طالبى المساعدة بجوار محطات المترو أو قرب الساحات الشهيرة.. مؤكدٌ أن تونس العاصمة ليست خالية من الشحاذين..

كنت موقناً من ذلك، لكن الأمانة تقتضى الاعتراف بأننى خلال جولاتى اليومية وسط المدينة وفى سوقها القديم، لم أصادف شحاذاً واحداً.. فى الطريق إلى مطار قرطاج عائداً إلى المحروسة، حرصتُ ألا يسمعنى سائق التاكسى وأنا أتمتم: طوبى لمدينةٍ لا يجد ضيوفها أثراً لشحاذٍ أو متحرش!

الإعلامي المصري عمرو عبد الحميد