هل تفلح البلطجة السّياسية في إفساد العرس الإنتخابي التّونسي؟

 المحرر –بقلم بشير الجوينيباحث في الترجمة و العلاقات الدولية

يقول ماركهام* : “الإنسان نتاج بيئته و هو في طاقته و عافيته و في كل ما يحرزه من تقدم يعتد اعتمادا كليا عليها”.

نستحضر هذه البديهية و نحن نراقب الانتخابات التونسية التي يتطلع الجميع لها و يكاد الشعب يبلغها إذ لا تفصله عنها إلا أسبوعان و معان عديدة لا يفهمها إلا التونسيون و خاصة المنتمون منهم إلى الطبقات المتوسطة و الأقل حظا الذين يعتبرون العرس “فرحة العمر” لذا يحرص الواحد منهم أن يوفر لعرسه كل أسباب النجاح ويهيئ للحاضرين و المدعويين كل أسباب الراحة,للجميع ,لكن يحدث أن يدخل عنصر او أكثر مما يخرج عما يبرمج له ليفسد أو يحاول إفساد الاجتماع :

فما هي الأساليب التي يتبعها “باندية السياسة” في إفساد أعراس و احتفالات التونسيين بمحطاتهم؟

وبم أجابهم التونسيون ؟

لا بد في البداية من التذكير أن جزءا غير يسير من ثورة الشعب في تونس و في سائر دول الربيع العربي جاء نتيجة لقطيعة بين الطبقة السياسية و الانتليجنسيا من جهة و الشعب من جهة ثانية,فكلنا يتذكر(حين كان شعبنا يصنع الملاحم و يسقط الدكتاتور ويسطر التاريخ) الحلول الترقيعية التي نادى بها سياسيون من قبيل حكومة الوحدة الوطنية مع النظام النوفمبري إلى الدعوات إلى “بر مدني” عوض عصيان مدني لطاغية تونس,وصولا إلى “ثقة” البعض في نظام بن علي و في قدرته على النقد الذاتي و إصلاح الأوضاع.

طبعا لن ينسى لهم الشعب ذلك و كان واضحا موقفه منهم في إنتخابات 23 أكتوبر 2011 فجازاهم بما يستحقون و أفرز مجلسا تأسيسيا و حكومة ترويكا لها ما لها وعليها ما عليها لكن الثابت أنها شرعية ونظيفة اليد و قامت بما يمكن القيام به في ظرف الذي تمر به بشهادة كل التونسيين لكن الشلة نفسها من محترفي “البلطجة السياسية” لم ييأسوا و حاولوا من جديد ذات صيف نسجا على منوال إنقلاب عسكري,فغازل بعضهم جيش تونس,سورها الحامي, للتدخل ومسك البلاد فكان رد المؤسسة العسكرية واضحا بأنها مؤسسة سيادية جعلت لحماية الحدود والسهر على سلامة الوطن لا دخل لها بالشأن السياسي.

حاول آخرون إفساد العرس و هو في دقائقه الأخيرة فشككوا في الشرعية التأسيسية (التي هم جزء منها( وخرجوا من المجلس التأسيسي ليقيموا مجلسا تأسيسا موازيا و حكومة موازية إتخذت من النافورة المقابلة لمبنى المجلس مقرا و من خيام بجانب المؤسسات الرسمية في طول البلاد و عرضها مقرات فرعية و قالوا “اليوم تسقط الحكومة اليوم لا غدا..” فما سقطت و لكنهم في اعين الشعب سقطوا..

حاول فريق آخر جر البلاد إلى احتراب داخلي فاستغل أحداث الاغتيالات السياسية و التدافع الاجتماعي و المناخ الاقتصادي المتوتر و الإضرابات الشرعية منها و الغير شرعية لضرب المسار السياسي و جر التونسيين إلى السيناريوهات الفاشلة التي تراهن على التدخل الأجنبي المقترن بالتواطؤ ممن نبذهم الشعب فقال فيهم على لسان الشابي “لا عاش في تونس من خانها”.

فلاقى من الأحزاب الكبرى التي تحملت المسؤولية رحابة صدر و خرجت أحزاب مكن لها الشعب السلطة وقايضت الحكومة بالانتخابات فسحبت البساط من تحت أقدام العابثين بمصلحة تونس والطامعين في سيناريو انقلابي.

لم يكتف “الباندية” بهذا فشاهدنا في اليومين الأخيرين و بلادنا تسير نحو عرس انتخابي يتطلع له العالم كله تشكيكا في الهيئات الدستورية و محاولة لضرب المسار الانتقالي.

فهل تكون المؤهلات الانتخابية الغير كافية هي سبب ذلك؟

أم هل يعتبر هؤلاء الأطراف أن الشعب التونسي قاصر و غير مدرك لواقعه و شتى باق التهم التي اتهموه بها لما اختار طرفا بعينه في الانتخابات الفارطة ؟

سواء كان الامر مرده عيب داخلي في هيكلة هذه الأحزاب أو مرجعياتها التي يجمع مراقبون على عدم ملامستها للواقع الشعبي سواء في حملاتها الانتخابية أو في خطابها العام أو كان الامر نتاجا لنعتها للشعب بالجهل و القصور وعدم حسن الاختيار.

سواء كان هذا او ذاك لن تلبث الإجابة إلا أن تأتي سريعة نهاية السنة و التي نرجو أن يفرح فيها شعب تونس بهيئاته و مؤسساته الشرعية وخاصة بانتقاله نهائيا من المؤقت إلى الدائم و بالتالي انضمامه للدول الديمقراطية.

فإما أن يستجيب لهم الشعب و يعزف عن المشاركة في الانتخابات ويختار -من شارك منه – أحزابا هي رسكلة لنظام قديم أحزابا تعتبره قاصرا وتقدم له برنامجا ليس فيه إلا تقسيم المجتمع وشتم الخصوم و التشكيك في العملية السياسية و في الهيئات الشرعية الدستورية التي دفع أبناء سيدي بوزيد و القصرين وتالة وجندوبة و قبلي وتطاوين و الكاف و سائر ربوع تونس ثمنا دما وقمعا وسجونا و مناف.

أو يقبل على عرسه حماية للمسار و تشبثا بالعملية الانتخابية فيصلا بين الفرقاء السياسيين ينتخب فيحمي شرعيته و يكون الضامن الأوحد بعده تعالي و المستأمن على مستقبل تونس.

ينتخب ممثليه الشرعيين الذي يعرفهم و يعرفونه,يعلمون عنه التاريخ و الحاضر و يبني معه و بهم المستقبل مستقبل تونس التي نحبها جميعا.

*هنري هاريسون ماركهام وهو سياسي أمريكي ينتمي إلى الحزب الجمهوري ولد سنة 1840 درس القانون بويسكنس وانتقل إلى كاليفورنيا في 1879.تولى نيابتها في مجلس النواب الأمريكي ما بين عامي 1885 إلى عام 1887 وحكمها  ما بين عامي 1891 إلى عام 1895 توفي سنة 1923.