آخر أوهام الإنقلابيين.. بقلم محمّد الحمروني

وسط حالة الإنشغال العميقة بالانتخابات، والإنكباب على معارك الربع الساعة الأخيرة ، وحشد كل الإمكانات والطاقات باتجاه إقناع أكبر عدد من المواطنين للتصويت لهذا الطرف أو ذاك، لا بدّ لنا أن نظلّ منتبهين ويقضين حتى لا نؤتى من حيث لم نتوقع…
نحن لا نريد هنا أن نرهب أو أن نخوف أو أن نعكر صفو الأجواء الملأى بأهازيج الفرح وأجواء التنافس الانتخابي، ولا نريد أن نقلل من فرحة وسعادة التونسيين بهذه الأجواء الرائعة التي نعيشها اليوم، ولكن نريد أن ننبه إلى بعض المتربصين بنا وبفرحنا…
علينا أن ندرك بداية أننا لم نصل إلى هذه المرحلة صدفة أو عبر طفرة سياسية وإنما وصلنا إليها بعد جهد جهيد وتضحيات جِسام، وبعد أن قدم البعضُ منا التنازلات المؤلمة وضحى بالحكومة، وتعرض في سبيل ذلك إلى أقسى الإختبارات وعرّض حزبه أو حركته إلى تجربة صعبة للغاية، وبعد أن أفشلنا العديد من المؤامرات وتجاوزنا العديد من الهزّات… ونحن نحمد الله أولا وأخيرا على كل ذلك…
… الآن بتنا على مرمى حجر من الانتخابات، ولم يعد يفصلنا عنها إلا القليل ونحن نرى حلمنا يكبر ويتحقق، بعد أن فشلت كل المؤامرات والدسائس، ومثلما قيل أن البعض جُرّ إلى الحوار الوطني جرًّا، فإنّ البعض أيضا جُرّ إلى الانتخابات جرًّا…
ونحن اليوم بلغنا مرحلة اللاعودة، والشعب والوطن كلّه يعزف اليوم نغمة الانتخابات ولا يستطيع أحد أن يخرج عن هذا الإجماع الوطني الذّاهب إلى الإستحقاقات القادمة… فهل يعني ذلك أنّ المتآمرين والذين حاولوا إفشال تجربتنا قد ألقوا المنديل كما يُقال، ويئسوا نهائيًّا من النيل منها؟
الحذر والفطنة والنباهة تقتضي أن نُجيب بلا، وتجربتُنا مع هؤلاء، وخاصّة ألئك الذين أعلنوا صراحة أنهم سيستهدفون تجربتنا، وعلى رأسهم تلك الدُّويْلة الخليجية التي تقود الثورة العربية المُضادّة، تجعلنا نتوقّع أن يزرعوا لنا في كل خطوة لغما وفي كل منحًا فخًّا…
اليوم وبعد أن قطعنا كلّ هذه الخطوات باتجاه استكمال الاستحقاقات القادمة، تبقى عقبة أخيرة علينا جميعا الانتباه لها، والاستعداد لمواجهتها وكشف القائمين عليها… وأعتقد أنها تصبُّ في إطار خطّة بدأ الاشتغال عليها منذ فترة والإعداد لها بصفة محكمة…
والرّاجح الآن ووفق جملة المعطيات المتوفرة أنّ بعض الأطراف التونسية من ضمنها تلك التي أشار إليها الأستاذ عصام الشابي القيادي بالحزب الجمهوري، عندما حذّر في حوار مع بعض المواقع الإلكترونية “من أحزاب مرتبطة بدول تعمل على إجهاض الثورات العربية”… هذه الأطراف ستكون خطّتها قائمة على فرضيّتين:
أ‌- فوز الأطراف القريبة من الثورة المضادّة وبعض الجهات التي ناصبت الثورة العداء وعملت على الإنقلاب على مسار 23 أكتوبر…
ب‌- خسارة هذه الأطراف مقابل فوز الأطراف المؤمنة بالثورة ومنها أحزاب الترويكا وعلى رأسها النهضة…
في الحالة الأولى سوف تُبارك هذه الأطراف الانتخابات ونتائجها، وستُقيم لها الاحتفالات وتُشيد بها بين الأمم… أما في الحالة الثانية، فسيقع التّشكيك في النتائج وشن حملة اتهامات بالتزوير والقيام بندوات صحفيّة مُكثّفة في الغرض، واستعمال الآلة الإعلاميّة التي يبدو أنها جاهزة من الآن للقيام بهذا الدّور… وربما دفعُ الناس إلى الخروج إلى الشارع وإحداث حالة من الفوضى من اليوم الأول وإعادة البلاد إلى مربّعات التّوتّر من جديد…
وسيقع الإعتماد أساسا في هذه العملية على بعض المنظمات والهيئات التي ستقدم نفسها على أنها – أو هكذا يُفترض – ستُراقب الانتخابات…
الخطير حقا أن تكون هذه المنظمات قد اخترقت بشكل أو بآخر، وخاصّة عبر المال السياسي الذي يُضخّ من قِبل دُويْلات الثورة المضادّة، وتمّ إعدادها وتهيئتها للقيام بهذا الدور…
ما يدفع للتفكير جديّا في احتمال وُقوع هذا السيناريو، بعض المقدمات، مثل محاولة التّشكيك في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والحديث الآن على أنها مطعون في شرعيّتها لأنها نتاج مُحاصصة سياسية…
ومحاولة النّيل من الهيئة والقائمين عليها، وتوجيه النقد لها بمناسبة وبغير مناسبة… والحملات التي تُشنّ عليها – وهي حملات مُفتعلة – بمناسبة تزوير التّزكيات… ومحاولة تشليك العملية الانتخابية عمّة، وخاصّة في شقها الرئاسي. ومحاولة الطعن في القانون الانتخابي نفسه والتشكيك في الهيئات الجهوية للهيئة العليا للانتخابات…. كل ذلك بهدف وحيد وهو خلق رأي عام يقبل التّشكيك في الهيئة وبالتالي في نتائج الانتخابات…
السّؤال الذي يُطرح الآن هو ما الحلّ…؟ أعتقد أنه لا بُدّ من:
1- عملية تدقيق سريعة وجديّة في مصادر تمويل كل الهيئات التي ستعمل على مراقبة الانتخابات، وفضح وكشف المشبوهة منها.
2- الإعلان من الآن عن أنّ التقارير الرّسميّة التي سيقع اعتمادُها هي تقارير المنظّمات والهيئات الدولية والإقليمية الرسمية مثل بعثة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، والمؤسسات الدولية ذات المصداقية العاليو مثل مركز كارتر…
3- الاستعداد – كما فعلنا في السابق – للدفاع عن أصواتنا وعدم التّلاعب بها، والتلاعب بتجربتنا في الانتقال الديمقراطي ككل خدمة لبعض الأطراف أو القوى أو التيارات…
أنا على يقين أن التونسي الذي قام بثورة عظيمة شهد لها العالم كلّه بالتّميّز، وبنى مسارا استثنائيا مُقارنة بباقي بلدان الربيع العربي، ونجح في بناء نموذجه الخاص في الانتقال الديمقراطي القائم على التنازل وتقدير المصالح العليا وعلى الحوار والتوافق، سينجح في استكمال مسيرته ولن تستطيع أيُّ قوّة في العالم إيقافه أو منعه من تحقيق أهدافه وأحلامه في الانعتاق والحرية والكرامة…
وأنا على يقين أيضا أن هذا الشعب الذي خيّب آمال الانقلابيين ولم ينجر وراء محاولة العنف والارباك والفوضى، سيُخيب مرّة أخرى أحلام وأوهام هؤلاء ولن ينساق وراء مُخططاتهم ومؤامراتهم…
يبقى فقط أن هذه الثقة يجب أن لا تجعلنا نترك الحذر ونتغاضى عن بعض ما يُدبّر لنا… وعلينا أن ننتبه لأنّ تصريحا مثل الذي أطلقه القيادي في حزب الوطد زياد الاخضر وهدّد بعدم قبول نتائج الانتخابات المقبلة إذا لم تعكس وزن الجبهة الشعبية !!! هو في جوهر ما نبّهنا إليه … وهو رفض نتائج الانتخابات إن لم تُرض طرفا بعينه…
يبقى علينا أن ننتبه إلى الكيفية التي ستعبر بها الجبهة عن هذا الرفض…