أين الدولة أمام كل ما يحدث لتونس العزيزة ؟…

تلاميذ الإبتدائي والثانوي في بعض المدارس والمعاهد لم يباشروا دراستهم إلى اليوم… بسبب مشاكل إدارية ولوجستية… فأين وزارة التربية ؟…

طلبة وطالبات من عائلات فقيرة… قدموا إلى العاصمة من المناطق المحرومة لطلب العلم في مؤسسات بلدهم…ولم يعثروا إلى اليوم على مسكن يأويهم… بينما ينعم أبناء الميسورين من رجال الأعمال والوزراء ورؤساء الأحزاب بالدراسة في أرقى الجامعات الغربية…  فأين وزاراتي التعليم العالي والشؤون الاجتماعية؟…

مرض السلّ يضرب منطقة بوعرقوب بعد وباء الكلب في برج السدرية… وبوصفير في الحامة… وسقوط سقف قسم الإنعاش في الرابطة على رِؤوس المرضى… ونقص الأدوية والتجهيزات وأطباء الاختصاص في الكثير من المستشفيات… فأين وزارة الصحة ؟…

الأوساخ والفواضل المنزلية وفواضل البناء تكتسح الساحات والأنهج والشوارع وتهدد المواطن بشتى الأمراض والأوبئة… وتلوث البيئة… والحفر المنتشرة كالفقاقيع في الطرقات… والظلام الدامس ليلا في معظم الأحياء والمناطق الحضرية… والانتصاب الفوضوي والمقاهي التي استحوذت على الأرصفة وجانب من الطرقات… فأين وزارات الداخلية والبيئة والتجهيز ؟…

الخرفان الإسبانية والرومانية والإرلندية أقلّ سعرا من الخرفان التونسية… في بلد يتميز منذ قديم الزمان بوفرة وجودة الإنتاج الفلاحي… ولكن الفلاح اليوم يستغيث من غلاء العلف والأدوية الفلاحية واليد العاملة والأداءات والسرقات… إلى أن أصبح هذا القطاع الهام والاستراتيجي مهددا بالضياع وفقدان التأمين الغذائي… فأين وزارة الفلاحة ؟…

المواطن يقضي أكثر من ساعتين في بعض الأحيان للوصول إلى مكان عمله… ومثلها للعودة من العمل إلى منزله… بسبب وسائل النقل العمومية المهترئة والتي لا تحترم الأوقات المبرمجة… والاكتظاظ الناتج عن قلة وسائل النقل وسوء البرمجة… والاكتظاظ المروري… وسوء المعاملة…فأين وزارة النقل ؟…

آلاف المشاريع التنموية المعطلة منذ سنوات… رغم الأموال المرصودة وتعدد خلايا المتابعة وهياكل الإشراف والمراقبة والإدارة… خاصة تلك المشاريع المبرمجة في المناطق الداخلية المحرومة… فأين مرصد الصفقات العمومية واللجنة العليا للصفقات العمومية ومختلف المصالح المعنية بالمتابعة والمراقبة برئاسة الحكومة ومختلف الوزارات ؟…

قرابة 800 ألف عاطل عن العمل… معظمهم من الشبان… ونسبة كبيرة من أصحاب الشهائد العليا… دفعت البطالة الكثير منهم إلى الحرقان وتعاطي المخدرات واللجوء إلى التهريب وخلايا الإرهاب… فأين وزارة التشغيل وإجراءات الحكومة العاجلة للحدّ من غول البطالة؟…

تصحّر ثقافي مدقع… في غياب سياسة ثقافية ناجعة… ما عدى بعض المهرجانات الموسمية… وبعض البرامج التلفزية السطحية على غرار “عندي ما نغنيلك”… وهي في الواقع برامج ترفيهية أكثر منها ثقافية… فالفضاءات الثقافية والشبابية تكاد تكون غائبة… وإن وجدت فهي في حالة يرثى لها في غياب الصيانة والتجهيزات والبرامج المفيدة… فأين وزارتي الثقافةوالشباب والرياضة ؟…

مترشحون للانتخابات الرئاسية يجمعون حوالي 800 ألف تزكية بطريقة يدوية… أكوام من الأوراق يستحيل على الهيئة العليا للانتخابات أن تتثبت فيها خلال بضعة أيام… مما أحدث حملة تشكيك نحن في غنى عنها في هذا الظرف الدقيق والحساس… والحال أن قاعدة بيانات المسجلين متوفرة…والإمضاء الالكتروني ممكن… والكفاءات متوفرة… لإعداد منظومة إعلامية تؤمن عملية التزكية بكل سرعة ودقة وموثوقية… إضافة إلى فشل مشاريع وطنية هامة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال مثل الشبكة الوطنية المندمجة والمعرف الوحيد لكل مواطن ومشروع الحكومة الالكترونية ومشروع الصفقات العمومية على الخط وإنترانات الإدارة وهلمّ جرّا… فأين الوزير المكلف بتكنولوجيا المعلومات والاتصال… في عصرالثورة الرقمية ؟…

إدارة شبه خالية يوما قبل العيد ويوما بعد العيد… وشبه مبتورة في باقي الأيام… لا يعمل أعوانها وموظفوها إلا بنسبة قليلة من حيث المردودية… رغم كلفة أجورهم العالية التي تنخر معظم ميزانية الدولة…  ألا تعتبر الإدارة ركيزة من ركائز الدولة وهيبتها ؟…

عجز تجاري فاق العشرة مليار دينار… وارتفاع المديونية… وتردي قيمة الدينار… وغلاء المعيشة… كلها دوافع كارثية يمكن أن تؤدي بالدولة إلى الإفلاس… وهي نفس الدوافع تقريبا التي أدت إلى انتصاب الحماية الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر… فأين وزير المالية ومحافظ البنك المركزي وخبراء الاقتصاد ؟…

أمام كل هذه النقائض واللامبالاة وسوء الجوكمة… أين حكومة التكنوقراط ؟… وأين رئاسة الجمهورية ؟…وأين المجلس الوطني التأسيسي ؟… وأين الأحزاب ؟… وأين المجتمع المدني ؟… وأين الدولة ؟… على مراد الله…

عبد المجيد ميلاد – مهندس عام مختص في تكنولوجيا المعلومات والاتصال