فصل المقال في مواجهة “دوابّ” النخب و “روث البغال”..

المحرر -بقلم الصغير شامخ : سبق للكبير أحمد مطر أن كتب قصيدة بعنوان “وصايا البغل المستنير” و سبق للعرب أن إستعملت البغال في قوافلها و حروبها على أنّها أحصنة للتشابه الكبير بينها فالفرق بالنظر لا يعرفه أغلب الناظرين و هو أساسا متعلّق بطول الأذنين الذي يحمل دلالات رمزيّة عديدة في تاريخ العرب فعندما يوصف فلان بطول الأذنين يراد من ذلك القول بغبائه لجهل الكثيرين بأن البهائم التي تتصف بتلك الصفة أكثر الحوانات حكمة و ذكاء.
قد نحط من قيمة البغال و الحمير و الأحصنة إذا ما قارناها بجزء من نخب و رموز أنظمتنا العربيّة خاصة بعد شبه الإصرار الذي تبديه أطراف متعدّدة المشارب على الحفاظ على شروط الإستعباد و الحيف و الفساد.
كمواطن، لست معنيّا كثيرا بشروط الرأسماليّة الجديدة و لا بمنتوجاتها في شتى المجالات و لكنّي مجبر على الأخذ بالأسباب في التحليل حتى لا يكون مبتورا و لا معنيّا بشعارات هذا التيار أو ذاك لأن الحقيقة مطلقة و لا وصاية لطرف عليها دون غيره مهما حاول تزييف الصراعات و المعارك و الواجهات و لكنّي مجبر على عدم الإكتفاء بالنقد فذلك لا ينتج البدائل و يحقّق طموحات التجاوز.
يقول مالك إبن نبي “عندما تغيب الفكرة يبزغ الصنم” و يذهب دوركايم إلى أن الشعوب تصل مرحلة صناعة معتقداتها إذا فقدتها و فقدت سلطتها الرمزيّة و لكن “تحيا الأخطاء عارية من أي حصانة حتى لو غطتها كل نصوص الكون المقدسة” كما يقول المهاتما غاندي، و قد يكون هذا الكلام فاقدا للمعنى و الدلالات إذا ما قمنا بتنزيله على واقعنا المرير لأنّك إذا قدّمت باقة ورد لحمار إلتهمها فما بالك بمن هم دونه درجة و مكانة.
قد يبدو الصراع السياسي الذي نراه اليوم منطقيا و مآلا طبيعيّا لصراع خارج قواعد الممارسة السياسيّة رموزا و ثقافة و خارج السياق و النسق الثقافي و التاريخي في لحظة سياسيّة طارئة قاعدتها الأولى الإنتصاب السياسي بمنطق الأضداد التي يعرّف بها الفاعلون أنفسهم و لكنّ مجهودات التصويب و التصحيح تبدو هي الأخرى إمّا على الهامش أو أنّها مختفية عن الأبصار و الأذهان تماما.
لم يخرج رابحا من الصراع بين الإسلاميين و اليساريين سوى منظومة رأس المال نفسها التي حكم بها المخلوع فنحن لم نعد نتحدّث اليوم عن إختلاف في الأطروحات و البرامج الإقتصاديّة و الإجتماعيّة التي أصبحت لبراليّة مرتهنة عند إقتصاد السوق من الجانبين جعل الطرفان يهجران المسألة الأهمّ و المحرّك الأبرز لينقلا الصراع إلى مربّع الثقافة الذي و إن كان فيه حديث كثير و قول طويل فهو لا يعدو أن يكون سوى جبهة هامشيّة لأن الطبيعة تأبى الفراغ لا غير و لا ضير أنّه حتى في هذا الصراع الثقافي يملك كل طرف جزء من الحقيقة و لكنّه سيخدم في النهاية طرفا واحدا و هم الإسلاميّون و إن كان اليساريون هم من حدّدوا طبيعة الصراع لأن السلطة الرمزيّة للدين لا يردّ تأثيرها في الغالب رغم أن ذلك لا يعني أنهم الإسلام.
الصراع إذا هو نفسه مهما إختلف عند طبقة من السياسيين، بين طموحات توسّعيّة كبيرة لرأس المال من جهة و حيف إجتماعي و تهميش و تفقير لطبقة تمثل السواد الأعظم من الشعب من جهة أخرى و فيه يتحمل الطرفان المسؤوليّة الكاملة فلا الساسة و النخب إستوعبوا الثورة و قوانينها و لا المنتفضون أنفسهم قدروا على إنتاج أطر المقاومة الشعبيّة و حماية ثورتهم من الإنحرافات التي حدث جزء منها باسم الثورة نفسها و في كلّ الأحوال فإنّ ما ستفرزه صناديق الإنتخابات القادمة لن ينتج أطرافا في الحكم و أطرافا في المعارضة بل نفوذا سياسيّا لسلطة رأس المال في مواجهة مقاومة مواطنيّة إجتماعيّة ستفرضها الضرورة و ستنتجها إستمراريّة القديم الذي لن يجرؤ على المس من هامش الحريات.
لسنا إذن في حاجة إلى التركيز كثيرا مع “دواب” النخب السياسيّة الموجودة الآن أو التي ستصنعها المنظومة نفسها في قادم الأيام و الأشهر بل في حاجة ماسّة إلى مواجهة رائحة “روثها” بمضادات مواطنيّة إجتماعيّة من الهامش.