أحداث الشعانبي برؤية مختلفة

بقلم صالح عطية   –  ما يحصل في جبل الشعانبي بولاية القصرين المناضلة، يطرح في الحقيقة الكثير من التساؤلات، بعيدا عن السطحية التي يريدنا البعض أن نتعامل بها مع هذا الحدث..إننا أمام تطورات مهمة على صعيد الوضع الأمني والسياسي ببلادنا، ولا تبدو أحداث الشعانبي بمعزل عن مجريات الحدث السياسي الداخلي، أو في قطيعة مع ما يحدث من حولنا في دول الجوار الإقليمي، أو في علاقة بالتجاذبات العربية والدولية حول دول الربيع العربي، وفي مقدمتها بلادنا التي أطلقت شرارة هذا الربيع..
ثمة حاجة حقيقية وماسة إلى تجاوز المنطق القديم في التعاطي مع هذا الحدث وتجاوز الطريقة الممجوجة التي تعامل بها إعلام النظام المخلوع مع هكذا أحداث ووقائع.. فمن السهل، إن لم نقل الطريق الاسهل أن ننعت الذين تحركوا في جبل الشعانبي، بـ “الشرذمة الضالة”، و”الإرهابيين”، و”المتطرفين”، وبكونهم “جزءا من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وهلم جرا من هذا الأسلوب الذي استفاد منه النظام السابق، وحرص من خلاله على وضع الجميع أمام مواجهة واحدة، تحت عنوان محدد، وهو مكافحة الإرهاب، الذي وضع له قانونا وخلايا أمنية وهياكل استخباراتية خاصة، وصحفيين على المقاس وأشباه محللين، يسوّقون رؤية سرعان ما يظهر تفاهتها لاحقا، ليوضع الإعلام والرأي العام في سياق أجندة القصر وعصابته..
نحن بحاجة إلى أن نطرح الأسئلة اللازمة والإستفهامات الضرورية، وهي المقدمة العلمية والمنهجية لأحداث خطيرة من هذا القبيل..
لماذا هذه الأحداث في هذا التوقيت بالذات؟ كيف تسلل هؤلاء “الإرهابيون” المفترضون إلى جبال الشعانبي؟ هل أن حدودنا مخترقة إلى هذا الحدّ الذي يسمح بدخول عشرات الشبان بأسلحتهم وقنابلهم وألغامهم أيضا؟ لماذا اختاروا جبل الشعانبي بالذات؟ كم عددهم الجملي؟ ما هي جنسياتهم؟ كيف تفطن إليهم أعوان الأمن أو الحرس أو الجيش التونسي؟ وبماذا نفسر تصريح أحد القيادات العسكرية بكون الألغام مزروعة بكيفية محترفة، بما يجعل واضعيها ليسو من فئة “الإرهابيين” العاديين إنما من المحترفين، وهؤلاء لا يمكن إلا أن يكونوا أحد أمرين : إما مدربون من جيوش إقليمية مجاورة، أو أعضاء في مخابرات أجنبية؟ وإذا كان لهؤلاء “الإرهابيين” نيّة في التسلل إلى بلادنا، والقيام بعمليات إرهابية ـ كما يريد البعض أن يقنعنا ـ فلماذا يزرعون الألغام في الجبال؟ وهل يمكن لمن يخطط للقيام بأعمال إرهابية التحصن بجبال ملغومة، بل ويتولى هو زرع ألغامها بنفسه؟ ثم وقد يكون السؤال الأهم، كيف لم يتفطن أهل القصرين لوجود هؤلاء في الجبل وهم يقومون بالتزود بالخبز والتنّ والخضر بصورة مستمرة، كما صورت لنا إحدى القنوات المحلية؟ ثم كيف يقتحم الأمن هذه المواقع من دون معدات، ومن دون غطاء أمني تؤمنه ـ منطقيا ـ مروحيات عسكرية، وبلا سيارات إسعاف، بحيث تترك المجموعات الأمنية والعسكرية عارية، في وقت يدرك الجميع أن قواتنا مدربة أحسن تدريب على مكافحة الإرهاب، وقد تلقى معظم كوادرها تدريبات وتربصات في دول عربية وفي تركيا والولايات المتحدة وفرنسا، واكتسبوا أبجديات المكافحة والمواجهة لمثل هذه الأحداث والوقائع، وبالتالي من الصعب على المرء أن يستوعب الأسلوب الراهن الذي يتم بواسطته التعاطي مع هذه التطورات..
إن ما يجري في جبل الشعانبي، لا يمكن أن يكون من صنيعة مجموعات “إرهابية” لوحدها، فهي أقرب ـ على الأرجح ـ للعبة مخابراتية خارجية غير معزولة عن التجاذبات المتعلقة بالشأن السياسي التونسي، وعن الانتخابات القادمة وحسابات دول الجوار الإقليمي، التي يرى بعضها أن الثورة التونسية “فيروس” ينبغي التخلص منه بكل الطرق والآليات والتحالفات والوسائل السياسية والإستخباراتية، المهم أن لا تصل “العدوى” هنا أو هناك..
ليس معنى هذا ألا نلامس هذه القضايا أو نتخوف منها، بل على العكس من ذلك تماما، نحن نتحدث هنا عن ضرورة البحث عن تصور جديد لعلاقتنا بالأحداث والوقائع، خصوصا إذا ما كانت ذات صبغة أمنية، لأن التعاطي مع هكذا أحداث بهذه الطريقة التي تكرر نفسها في كل بلاطو أو صحيفة، سيجعل إعلامنا جزءا من السيناريوهات والخطط الأمنية والإستخباراتية المطروحة، والتي تطوي خلفها أجندات سياسية واضحة ومكشوفة..

صالح عطية

3ماي 2013