من الإبداعات النادرة لفن المقامة الشعرية قول في” معتصمي الصمود “للجنيدي طالب

حدثتنا الخلفاوية أم جيلاني حديثا صححه شيخنا البناني، قالت

 حضرت في رهط من النسوة،  بعدما لبسنا أحلى وأجمل كسوة،  حضرنا مجلسا ببيت سنية بنت الأسود القريشية الهاشمية،  البنزرتية المنزلية، فهي خيار من خيار من خيار، وكانت السنة التي سرق فيها الجنيدي جبة عمر الشهباني، وما أصاب جوفه جراء سرقته من اسهال وجريان،  وضيق تنفس بسبب الأكريان، وكن نبتغي  من سنية العبارات المهدبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل الموشحة، والأساجيع المستملحة، فهي التي إذا عبرت حبرت، وإذا أسهبت أذهبت، وإذا أوجزت أعجزت، فرأيناها في غير حالها، وشيء ما يشغل بالها، وينبئ تخازر طرفها، وتشامخ أنفها، والدمع النازل على خدها، فتارة تحبسه بيدها، وتارة تتركه فيبلل مهد جدها، أنها حائرة حزينة، لجأت إلى الكوزينة، وجلست في تركينة، فصامت على العلك واللوبان، ومكالمة الإنس والجان، والرجل بالإنجليزية مان

 

فلما أتيناها عن غير رغبة منها، وسألناها عما يبكيها، وينغص عليها، قالت:هل أروي لكم  قصة معتصمي الصمود، الذين أصابهم ما أصاب أصحاب الأخدود، يا ليت زوجي الجنيدي  الودود، سدد لي ضربة بهراوة أو عمود، فلم أسمع منه قصة اعتصام الصمود، الذين حولهم الضنى من فهود إلى دود. فقصتهم تشخص ما يجري بين متحابين يفرق بينهما النمام، وأولاد الحرام، وفعل إقترب بالإنجليزية كام، وتصغير سامؤيل سام، والمرأة بالفرنسية فام

 

قلنا، والكلام للخلفاوية أم جيلاني: هات هات ولك منا ألف ألف شاة، قاتل الله النمامين الوشاة البغاة، وطولي إن شئت فقد جئناك بالمبات

 

قامت سنية الهاشمية المنزلية، فاستغفرت وسحبلت وحوقلت واسترجعت ووحدت وكبرت، ثم نصبت الكانون والصينية، وبراد التاي بالكاكاوية، وأغدقت على الحاضرات الزاد، ومن استزيد زاد، ثم قالت

 

أيد الله سيدي وزوجي الجنيدي، فهو من زين سعدي، ونصرني على العويديدي، فما بخل علي بمعروف، وما تركني قط بلا مصروف، فلما سافر زوجي بن أبي طالب، جواب المشارق والمغارب، لتونس التي عادت لتؤنس، خفت منه الصوت، وكاد من الجوع يموت، وأنس في قلبه قساوة، وتذكر من يد سنية كعيبات بقلاوة، ثارت منه النفس، وفكر كيف يكسب الفلس، حتى ولو حفر في ظلمة رمس، فيسلب يهودي أو قس، وحتى يقهر النفس، أخذ بالخبر المأثور، وما يقوله الجمهور، في جدوى زيارة القبور، فربما صادف عجوزا يبابا، تلطم وتذر التراب، عوض أن تقرأ الكتاب، فتلى على ميتها ما تيسر، تجويدا غير مكسر، فأعطته تمرة أو بسرة، أو قطعة كسرة، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا

 

رأى الجنيدي غلاما أفرغ في قالب الجمال، وألبس من الحسن حلة الكمال، فسأله عن اسمه فقال: التوكابري عبد السلام ، أجيد الكلام، ومشرف في مكتب الإعلام، فدعى له الجنيدي أن لا تجف له محربة، ثم سأله عن أقرب مقربة، فقال التكابري الإعلامي:سر إلى ربوة القصبة فهي محلة الأموات، وكفات الرفات، فسترى جمعا من الشبان والشابات، أحياء ولكنهم أموات، فهم كالحمام، مفتحة أعينهم نيام، إنهم من رفضوا الجحود، إنهم فتية اعتصام الصمود

 

لفع الجنيدي وجهه بردائه،  ونكر شخصه لدهائه، وانحاز إلى الجماعة مفكرا في المال، وما سيغنمه من المعتصمين من مأكل وسروال، فهو بارع في قوالب الانتساب، وفقيه في أساليب الاكتساب، ببلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة،  وآداب بارعة

 

لما وصل رأى ما أبكى وأفجع، وأقض وأوجع، رأى رجالا ونساء، منهم للعراء، لم تسعفهم الأيام، فتمكنت منهم الأسقام، فهم كالأيتام، نهارهم هيام، وليلهم قيام، يرقدون بلا مهد، في السميتري والبرد، رأى أفواه بلا أسنان، لم يبق فيها غير اللسان، رأى رؤوسا تجلي في بياض، وعيونا شاخصة كأنها حياض، فهم في ضر وبؤس وغربة وضنى، تصيبهم السهام من هنا وهنا وهنا، فتألم الجنيدي لما رأى، ثم تململ وبكى، ثم توسطهم واعتلى، ثم قال: لقد جاءت الحكومة شيئا إدا، وجارت عن القصد جدا جدا، فكيف تعظم السبسي الرفات، وتميل إلى من فات، وتتجاهل وقود الصمود والنضالات، فتذكروا أيها الغافلون، فإنكم مقصرون، لم تشمروا فتحسنوا للمعتصمين، وهم إخوانكم  في الدين، فترحموا المرضى منهم والمحتاجين، مالكم لا تعبئون بنوازل الأحداث، ولا تستعدون لنزول الأجداث، ولا تستعبرون لعين تدمع، ولا تعتبرون بنعي يسمع، أشغلتكم الموائد عن المنادب، وصرفكم المآكل عن الثواكل، إنكم لا تذكرون معتصمي الصمود ببال، وتظنون أن المشكلة مشكلة مال، كلا ساء ما تتوهمون، ثم كلا سوف تعلمون

 

هاج بكاء معتصمي الصمود لكلام الجنيدي بن أبي طالب، جواب المشارق والمغارب، رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده

 

وقبل أن ينحدر الجنيدي من الربوة، ناوله الجمع شربة،  فأكل وشبع ثم ملأ القربة، ثم أدخل كل من المعتصمين يده في جيبه، فأفعم له سجلا من سيبه، وقالوا بصوت واحد: اصرف هذا في نفقتك يا شيخ، فإن شئت فلبلابي وإن شئت بطيخ

 

قبل الجنيدي الهدايا، وجمع حولة العطايا، وإنثنى عنهم مثنيا، متخفيا متنكرا كالحية، وكما يفعل الفكرون، والدهاة الماكرون،  فكان الجمع يراه ينطلق تارة ذات اليمين وتارة ذات اليسار، تارة يناوح مهب الجنوب وتارة مهب الشمال. وهو ينشد

 

لليلة مع معتصمي الصمود @@@ أحب إلي من رزق ممدود

دع عنك الولاة فإن بهم حكة @@@ كعود ينخر جوفه دود

لا يخدعنك لموع سراب @@@ فليس كل ذي شوك قنفود

ساء الزمان شباب الصمود ‌@@‌@  فما ضر قوس الخطوب أسود

فعضوا على عرصات القصبة @@@ سأعض على  هضبة هوليود

 

بكى النسوة لبؤس معتصمي الصمود، وألقين باللوم على حكومة المزمار والعود، وتراخيها في تطبيق القوانين، وكسر شوكة الفاسدين الحاسدين المعطلين، وعجبن من غدر الزمان، وتفريقه بين الإخوان

 

وصلى الله على حبيبنا المصطفى، فهو خير الورى، نور الهدى، عالي الذرا، سامي المقام، فصلوا على خير الأنام

 

جنيدي طالب

لندن

ماي 16، 2013