كلمــــة علي العريض رئيس الحكـومــة التونسية في المؤتمــر الوطني حــول الحــوار

قصر المؤتمرات 16 ماي 2013
بسم الله الرحمن الرحيم ..
يشرّفني أن أشارككم اليوم فعاليات افتتاح الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الوطني ضمن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل. ويسرّني حضور هذا العدد المحترم من الأحزاب والمنظّمات والجمعيّات والشخصيّات في هذا اللقاء الوطني لمواصلة النقاش حول جملة من القضايا الهامة التي تحتاج فيها بلادنا في هذه المرحلة الدقيقة توافقا واسعا ومتينا بين أهمّ الفاعلين.
وبهده المناسبة أحيي الاتحاد العام التونسي للشغل على اسهامه في البحث عن تعزيز التوافق وتكريس الحوار السياسي والاجتماعي.
سيداتي سادتي،
لم يكن هذا اللقاء الحواري الممتاز ليضم الوان الطيف السياسي والجمعياتي لولا النضج الذي تتدرج اليه مختلف المكونات ولولا تضحيات أجيال متعاقبة من الرجال والنساء من الشهداء والجرحى وضحايا التعذيب والسجون والمنافي وغيرها من أنواع الظلم من اليوسفيين والقوميين واليساريين والاسلاميين والليبراليين من الحقوقيين والنقابيين ورجال الاعلام والثقافة وصولا الى شهداء الثورة وجرحاها وخاصة من الشباب التونسي الى كل تلك الاجيال التي ناضلت وتحملت، الى الشعب التونسي الذي ناضل سرا وعلانية وتحمل، اتوجه بالتحيّة والتقدير، والاعتراف وبالاعتذار، وبتجديد العهد بالوفاء ومواصلة الرسالة التي حملوها وعملوا من أجلها وهي: تونس دولة حرة مستقلة الاسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها. تونس آمنة ومتجهة دوما نحو مزيد الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

حضـرات السيّـدات والسّـادة
إنّ تعميق الحوار والوصول إلى توافقات حول أمّهات القضايا بين مختلف الأطراف المعنيّة بالحوار الوطني أصبح اليوم من ضمن الشروط الجوهرية لنجاح مسار الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف ثورتنا المباركة. وإنّ المصلحة العليا للبلاد وشرف الانتماء إلى هذا الوطن يحتّمان علينا جميعا تكاتف جهود مختلف أبناء شعبنا مهما اختلفت انتماءاتهم الفكرية وولاءاتهم الحزبية لبناء غد أفضل للأجيال القادمة.
وإنّ ما ستنتهي إليه أشغال هذا المؤتمر ومراكمة ما تمّ التوصّل إليه من توافقات هامّة في ختام الحوار الوطني الذي رعته كلّ من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة سيمثّل بإذن الله قاعدة متينة وأرضية مشتركة وضمانا هامّا لنجاحنا في استكمال مسار الانتقال الديمقراطي والتوصّل بالتوافق إلى تحديد تاريخ للانتخابات وصياغة دستور لكلّ التونسيين وتركيز هيئة مستقلّة للانتخابات وغيرها من الهيئات التعديلية الضرورية.
وإنّ الوصول إلى كلّ هذه التوافقات الضروريّة والهامّة في مثل هذه الفترة الدقيقة التي تمرّ بها بلادنا وثورتنا هو بامتياز نصر لنا جميعا ومكسب لكل التونسيّات والتونسيين باعتبارها تمثّل ضمانات لنجاح الانتخابات المقبلة. كما تحمّلنا في نفس الوقت، حكومة وأحزابا ونقابات ومنظمات وشخصيات، مسؤوليّة العمل كلّ من موقعه من أجل توفير المناخات الملائمة لمزيد تنقية الأجواء السياسيّة وبسط الأمن وتعزيز السلم الاجتماعي وبصفة عامة على خدمة الأولويّات الوطنيّة لهذه المرحلة وفي مقدّمتها إنجاح المواعيد الانتخابيّة والاستحقاقات السياسيّة والتأسيسية القادمة في ظروف ومناخات تضمن سلامتها وشفافيتها ونزاهتها.
حضـرات السيّـدات والسّـادة
لقد قمنا بالثورة التي تخلصنا فيها من الاستبداد ودخلنا مرحلة بناء دولة الحرية. وكان وما زال لهبوب رياح الحرية على أحزابنا ومنظماتنا ومجتمعنا ككل أثر كبير يشبه ثورة ثانية باتجاه الوصول إلى توازن واستقرار يجمع بين الحق والواجب بين الحرية والانضباط، بين احترام مؤسسات الدولة ووحدتها وممارسة الحريات العامة والخاصة.
إنّ المرحلة التي تمرّ بها بلادنا وتجربتنا في الانتقال الديمقراطي هي مرحلة مفصليّة في تاريخنا ولا نرى لها من سياق غير سياق الثورة بما تحمله من معاني التحرّر من الاستبداد والخروج من التخلّف والانعتاق من الحيف الاجتماعي.
ولا نرى لمسارنا الانتقالي وجهة ومآلا غير بناء تونس الديمقراطية تونس الاستقرار، تونس العدالة والتنمية التي تتفاعل فيها كلّ قواها الحيّة على أرضيّة مشروع وطني جامع يساهم فيه الجميع وينخرط مهما تعاقبت الحكومات.
وإنّنا نرى في تعاقب حلقات الحوار الوطني التي تشهدها بلادنا وما ينبثق عنها من توافقات مهمّة “قاطرة” أساسية على طريق تعزيز اللحمة الوطنية وتوحيد التونسيين حول قواسم مجتمعنا ومكاسبنا التشريعية والاجتماعية والسياسية وحول اعتدال منهجنا ووسطيّته ، فبقدر ما تتعزّز الوحدة الوطنية بقدر ما تقوى الارادة العامة في البناء والتعمير وفي مواجهة التحديات والصعاب على اختلاف طبيعتها ومصادرها.
ومثلما تحتاج بلادنا في هذه المرحلة لمزيد تقوية الارادة العامة من خلال تثمير ما تحقق منذ قيام ثورتنا المباركة من إنجازات في مجالات عديدة رغم صعوبة الظرف الوطني والاقليمي والدولي ورغم تفاقم المطالب وتعدّد الاستحقاقات، فإنّنا نحتاج أيضا إلى المواقف الوطنية الواضحة التي ترقى إلى مستوى الالتزام الوطني من كل الأطراف السياسية والاجتماعية ومن جميع أفراد شعبنا قولا وفعلا بدعم مجهود الدولة ومختلف أسلاكها الأمنية والعسكرية في مقاومة الارهاب وتنقية الفضاء السياسي من العنف والفضاء الاجتماعي من الاحتقان والفضاء الثقافي من الاقصاء التزاما بعلوية القانون وحقّ المجموعة الوطنية في الأمن وبحقّ الدولة في إدارة الشأن العام وفق القانون.

حضـرات السيّـدات والسّـادة
إنّ القيمة المضافة للحوار الوطني على المشهد العام في بلادنا أصبحت اليوم والحمد لله واقعا معيشا وأمرا ملموسا نلحظ نتائجه في مجالات ومستويات عديدة تمثّل في مجملها شروطا أساسية لتقوية الارادة العامّة والنجاح في تحقيق أولويات المرحلة.
وإنّ التهاون أو التقصير في تقوية الارادة العامّة نتيجة الحسابات الضيّقة والرؤية القصيرة والانسياق في حالات حادة من الاستقطاب في قضايا موهومة أو ثانوية خارج أولويات المرحلة التي تمر بها بلادنا سيكون أثره المباشر إضعاف قدرات الدولة والمجتمع وزيادة حجم المصاعب والمخاطر وفتح المجال أمام الانفلات أو الفوضى المدمرة.
حضـرات السيّـدات والسّـادة
أغتنم هذه الفرصة لأجدّد دعم الحكومة لهذا المؤتمر الوطني للحوار ولأجدد لكلّ التونسيّات والتونسيين أنّ طريقتنا في إدارة الشأن العام في هذه المرحلة تقوم على دفع الحوار السياسي والحوار الاجتماعي ودعم التوافقات بما يخفف من التشنج والصراعات والفرقة ويدعم الوحدة الوطنية مع ترتيب للأولويات الوطنية التي هي سياسة أمنية حازمة في إطار حقوق الانسان وقوانين البلاد وتركيز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتحريك للاستثمار وتنويع لمصادر التمويل كل ذلك في ظرف دولي صعب وظرف وطني فيه تحديات واضحة .
لأجل ذلك فإنه مع وضوح الرؤيا تحتاج البلاد إلى جهود الجميع والتزامهم حتى نتخطى هذه المرحلة الانتقالية وصعوباتها في أسرع الأوقات وبأقل التكاليف.
وأنا واثق بأننا في الطريق السليم وأننا نتقدم نحوى تونس الديمقراطية تونس العدالة والتنمية.

المجــد والخلـــود للشهــداء
العـــزة والتقـدم لتونس
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته