1 نوفمبر,2020

الهروب المرّ إلى الجزيرة والعودة المريرة إلى أنقرة..

لا يحتاج إيمانويل ماكرون إلى وسائل الإعلام لمخاطبة الأنظمة العربيّة والأخرى الإسلاميّة، فقط يحتاج إلى تحريك السفراء أو المقيمين العامّين، من خلالهم يستطيع توجيه الأوامر أو اللوم أو إرسال مطالبه أو التأنيب أو التوبيخ أو حتى التهديد، ذلك عن الأنظمة، أمّا إذا أراد أن يخاطب الشعوب فعليه أن يترجّل عن عناده ويتخلّص من كبريائه ويبتعد عن البؤر الإعلاماويّة العربيّة المعادية للشعوب، ثمّ يأتي البيوت من أبوابها، ولمّا وقع تحت ضغط المؤسّسات والمصانع والشركات الفرنسيّة ولمّا أكّد له الخبراء وعلماء الاجتماع أنّه وضع يده في عشّ الدبابير وعليه أن يتراجع بسرعة، حينها اختار على مضض قناة الجزيرة ليخاطب الجماهير والشعوب، بالتوازي أعاد سفيره إلى أنقرة ومدّ جسور الحوار مع تركيا.

صحيح أنّ السياسة الفرنسيّة هي التي أرضعت السّاسة العرب من فضلاتها، وصنعت النخب على مقاس خدمتها، لكن عندما يتعلّق الأمر بمصالح فرنسا تحضر الواقعيّة وينتهي الالتفاف والمخادعة لصالح النجاعة، ساعتها تُلقي باريس بكلّ تلك الألاعيب التي لقّنتها للنخب والأنظمة العربيّة وتذهب إلى مصادر الحلّ بلا تردّد وبلا وساطات هزيلة، لذلك ذهبت إلى الجزيرة وإلى تركيا، من جهة صوت الشارع العربي ومن جهة أخرى الدولة الوحيدة الجديّة والقويّة التي تصدّت إلى الإساءة بفاعليّة وتحرّكت بنجاعة من هرم سلطتها إلى شارعها.

ذلك عن تراجع ماكرون.. ولأنّ الاقتصاد كان أحد الدوافع الرئيسيّة التي دفعت باريس إلى فرملة هيجانها على الإسلام والجنوح إلى شيء من التعقّل، لا بأس من إطلالة ولو عابرة على بعض الأرقام التي قد تساعد في تفكيك المستشكل على المتابع الكسول الذي أرهقته نخب باريس بالمناولة وحدّثته كثيرا عن خدمات فرنسا الجليلة كما حذّرته طويلا من قلوب تركيا البيضاء والسوداء وسائر بضاعاتها.

بلا إطناب يكفي القول أنّه وفي سنة 2019 بلغت صادرات فرنسا إلى تونس 3.7 مليار دولار فيما بلغت صادرات تركيا إلى تونس في نفس السنة 886 مليون دولار، وهذا يعني أنّ صادرات فرنسا إلى تونس تفوق صادرات تركيا بأكثر من أربعة أضعاف!

في ذات العام “2019” بلغت صادرات فرنسا إلى تركيا 6.66 مليار دولار، بينما بلغت صادرات تركيا إلى فرنسا 9.81 مليار دولار، ما يعني أنّ فرنسا تعاني من عجز تجاري مع تركيا، وذلك رغم أنّ باريس تحتل المرتبة الرابعة في استقبال الصادرات التركيّة، بما أنّ أكبر الأسواق للصادرات التركيّة في العالم هي : ألمانيا (9٪ من الإجمالي العالمي)، بريطانيا (6.3٪)، إيطاليا (5.4٪)، العراق (5.2٪)، الولايات المتّحدة (4.7٪)، فرنسا (4.5٪)، إسبانيا (4.5٪)، هولندا (3.2٪).

نصرالدّين السويلمي

هل استكمل الغنوشي أدواره التاريخية ؟ بقلم د. المنصف السليطي

ليس هنا مجال بحث أكادمي أو إعلامي لأسباب وخلفيات التصوّر الغالب داخل المجتمع التونسي في النظرة إلى راشد الغنوشي، وإلى تاريخه وقامته الفكرية والسياسية والثقافية وإلى أي درجة كان منصفا أو ظالما معه، ولكن ما لا يمكن حجبه او حذفه باختصار شديد من الضمير الجمعي والذهنية العامة ومن الواقع السياسي المعاش هو أن قطاعات لا بأس بها من التونسيين تتقبل الرجل وتدافع عنه وعن أفكاره وحقه في استكمال العديد من المهمات التاريخية التي تنتظره، وهي تعتبر أن دوره لازال محددا فيها وأن تونس لازالت تحتاجه كزعيم وطني وكسياسي محنك.

وإذا كان للمعارضة الإستئصالية والشرسة الساعية لفرض معركة كسر عظام مع الغنوشي وحصره في زاوية العجز والتطاحن وأصحاب الخطاب السياسي الشعبوي الموغل في العبث يعمل على استغلال كل المناسبات والآليات والأدوات التنظيمية والحزبية والبرلمانية لعزله وتسفيه اختياراته.

ومنهم من لم يستسغ عقله الإقصائي أبدا أن يقبل أن يصبح الغنوشي ثاني شخصية سياسية في البروتوكول الرسمي في البلاد، فإن العديد من الملاحظين والمناصرين له، لهم اعتقاد جازم بأنه مازال للرجل دور متقدم للمساهمة في إدارة الشأن العام وتسيير دواليب الدولة والتخفيف من التناقضات بين مختلف مؤسسات الدولة وتعزيز المصالحة الوطنية الحقيقية والحد من الانتصاب الفوضوي والانفلات في الساحة السياسية وترتيب خيمة التوافقات والقواسم المشتركة بين مختلف الفاعلين السياسيين والمتدخلين الاجتماعيين

خصوصا في ظل ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي والسياسي وذيوع مخاطر جدية متربصة بالبلاد وتنامي جائحة الكرونا وانتشارها ولا أدل من ذلك إعادة التجديد له في رئاسة البرلمان وتجاوزه لفخ سحب الثقة الذي نزلت فيه قوى مختلفة ومتنوعة داخلية وإقليمية بكل ثقلها الإعلامي والمالي والسياسي لقهر الرجل ودحره ووأد تجربته في البرلمان.

وقد تعلمنا خلال هذه العشرية أن الأوضاع تتغير من لحظة إلى أخرى والفرص تضيع والأخطار تحدّق بالجميع وتونس تعيش تجاذبت حادة على مستويات عدة وتتطلب من الجميع العمل وخاصة من النخبة السياسية الابتعاد عن منطق التشكيك في كل شيء وتغييب عناصر الثقة في ما بينها وفي كل الحالات مع دقة الوضع الذي آلت إليه البلاد والمنطقة بصفة عامة نحن في حاجة لعقلاء من طينة الغنوشي يمنعون انهيار البيت على ساكنه.

ولذلك العديد من الملاحظين يرون أنه مطلوب منه اليوم العمل على تعزيز فعله السياسي المباشر وتـاطيره وإكسائه الوضوح السياسي اللازم في أخذ القرار وتنزيله وتنفيذه والعمل على مستوى داخلي لحركة النهضة بإحتضان كل المبادرات العاملة على تقريب الأراء المنتجة لتماسك الحركة ووحدتها وتعزيزدور المراة والتشبيب والتدوال في المسؤوليات في الحركة، خصوصا وانه يواجه الحكم وتحدياته وإكراهاته من قلب الدولة وليس من أطرافها كما كان الأمر سابقا وهو الذي يعلم إن الشعب لم يعد يرغب في مشاهدة هذه الصور والرسائل المحمولة على الرداءة السياسية وأن إنتظاراته بعد الانتخابات الأخيرة تتجاوز المنجز السياسي على أهميته،

وانه لم يعد يكفي ليحجب علينا فشلنا الذريع في المنجز الاقتصادي والاجتماعي وعجز مختلف الحكومات على إيجاد الحلول الملائمة لتعقد أوضاعنا المعيشية والحياتية. والغنوشي وهو يتحرك من أهم مركز للحكم في نظام برلماني، يعلم قبل غيره بأنه بعد سنة من الانتخابات بحكم نتائجها مدعو لتعزيز التوافق على أجندة وطنية، واضحة معالمها وسقفها ملزم للجميع إذ لا يمكننا الولوج إلى المرحلة المقبلة دون تحديد دقيق لبرنامج وطني وفق رؤية جامعة وتقدير مشترك للمخاطر المحدقة بالمسار داخليا وخارجيّا. وأن الشأن السياسي يحتاج الى فاعلين أكفاء يعملون معا لما فيه خير الوطن وتحقيق الصالح العام وإستنفار كل القوى الخيرة في بلادنا في سبيل تحديد وإنجاز حزمة من الأولويات الضرورية كمقدمة ومدخل لمد جسور الثقة وإرجاع الأمل للمواطنين.

ولقد نجح الغنوشي وحركة النهضة التي يرأسها نسبيا في أن يفرضا نفسيهما كرقم سياسي صعب، عبر العمق الشعبي التاريخي بداية، ثم عبر المُمارسة السياسية ثانيا التي رغم هناتها لعب فيها أدوارا أولى وهامة في تجنيب حركته معارك خاسرة وهو الذي نادى بالتخلي على قانون العزل السياسي و تدخل لحسم الجدل حول مدنية الدولة في مشروع الدستور أو الفصل في الخلاف حول المساواة بين المراة والرجل وحتى الخروج من الحكم وإيجاد تسوية مع الفاعلين في المشهد السياسي والذين استفادوا من حادثتي الاغتيال السياسي التي شهدتهما تونس والتي راح ضحيتها كما هو معلوم الشهدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ثم القيام بتحالفات وإتفقيات سياسية خصوصا مع المرحوم الباجي قايد السبسي حيث مكن لحركته الإستمرار والإستقرار في المشهد السياسي وتبني مفهوم حكومة الوحدة الوطنية.

واليوم ومع ارتفاع وتيرة الأزمة بشكل ممنهج ومتناسق من الخارج، سلط على الغنوشي ضغط عالي من الداخل ومن ما إتفق على تسميتها بمجموعة 100، مجموعة قيادية وهم للغنوشي أخوة في التنظيم والسلطة والمحنة حول مسار المؤتمر للنهضة ومسالة ترشح رئيس الحركة لمدة نيابية جديدة

وقد عمل البعض من هذه المجموعة إلى إيصال كل تفاصيل الخلاف إلى الحقل الإعلامي والرأي العام التونسي وحتى الخارجي للسعي في دفع رئيس الحركة نحو الزاوية والإحاطة به وهو أمر اعتبرته أغلبية أبناء الحركة “رغم دعوتهم للحوار والنقاش وبحث مستقبل الحركة وتوسيع دائرة الرأي والمشورة فيها” اعتبرت أن الإستقواء بخصوم الحركة وتناسي إكراهات الحكم والصراع على مسألة القيادة ومنصب الرئاسة فحسب دون تقديم رؤى ومشاريع سياسية مختلفة

لا يعدو إلا أن يكون عند عدد غير قليل تعبيرات مختلفة عن القلق الذاتي وصراع إرادات فردية للرغبة في التموقع من جديد مع الوعي بأن تفجير هذه الخلافات له ارتدادات سلبية متأكدة ليس على وحدة الحركة وتماسكها وانضباطها فحسب، بل أيضا على الاستقرار السياسي للبلاد ولذلك أشار البعض إلى “مخاطر التداول وفرص التمديد” بعكس عنوان رسالة100.

وقد تعلمنا كذلك من التاريخ أن النزاعات داخل الأحزاب الحاكمة حتى في البلدان التي لها عراقة في الديمقراطية تنتهي بكوارث سياسية مما يستدعي في بعض الأحيان قيادات إستثائية ذات خصال متفردة تتميز بها بحكم التجربة والتكوين والخبرة والممارسة لمواصلة المشوار وقيادة الحركة وسط أوضاعا سياسية متقلبة ومضطربة وهو ما يعطي مشروعية لرواج فكرة الزعامة بهذا المعنى ويعطي شرعية لفكرة أن الغنوشي لم يستكمل ادواره التاريخية في مقابل الدعوات “المزروبة” والساعية لإدخاله إلى متحف التاريخ مبكرا.