23 مايو,2013

نهر من الزعتر (د.نوالدين العلوي)

 

يتحلب الان ريقه من ذكرى تمر و زعتر. يشرب ريقه و يزعم ان ضوء النيون يلحق ضررا بالعيون. يستنشقه من ذاكرة لا تهادن. زعتر جبلي يحمل حر الصيف في وريقات صغيرة تختصر عطر الارض قاطبة وتزيد. يستعيد الرائحة والطعم و وجه أمه في سماء بعيدة. ويبتسم مخفيا ضعفا فادحا أمام الولدين. أمه كانت توصيه كلما ورد الماجل البعيد الرابض في كنف جبل مطماطة. جمع الزعتر الصيفي للشتاء فيسير وراء دابته قافزا بين صخور كثيرة ليقطع ما تيسر من الشجرة المتمسكة بالأرض دون ان ينثر ورقها وزهرها. في كل رحلة يعود اليها بالكثير تفركه لتنقي الورق من الحطب وتجمعه وتشمسه ليخزن شمس أوت . يضوع المكان بالزعتر الجبلي. رائحة سكنت أنفه فعشق بها درويش الفلسطيني لما اتسع له أفق في كتاب. في الخريف يجمع التمر الذهبي و يمد يده يفصص الحبة عن نواتها. يسامر أمه على ضوء مصباح نفط قديم حول مربد التمر حين ينام ذباب الخريف البغيض. في الصبح قبل المدرسة ينشر معها التمر في الشمس ليجف عسله فيه ولا يسيل. تطمئن الحكيمة إلى جفاف التمر.الشمس أخت جميلة رغم حقدها الماحق. تغسل قدمي ابنها وتبدأ في وضع التمر في البرميل. غنيمة حرب من خط مارث.آه ذلك البرميل الاشهب المثقوب من جانبه كم عانقه شوقا الى ما فيه. تنثر الزعتر على التمر ويرص في البرميل بساقي الطفل المغسولتين. فلا يترك بين فجواته مكانا لذرة من هواء. تترطب ساقاه بعسل التمر لكنه يصر وتصر. الكنز يأخذ مكانه في زاوية في انتظار الربيع. يحل الربيع و يزهر أو يأتي قاحلا كشتاء رهيب. يحين موعد التمر بالزعتر. يدخل يده قبل ذلك من ثقب برميل الحروب. يقلع منه ما تيسر. يخرج العسل والزعتر و رائحة الربيع. رائحة تخرجه الان من سخام المدينة. فيتحلب ريقه من تمر في الذاكرة عطرته امه بزعتر من جبال الجنوب.
شيء من رائحة أمي في حفنة من تمر و زعتر تعيد الي صباي.