المجازر اللغوية في القنوات التونسية / بقلم محمد كريشان

إجلس أمام التلفزيون الألماني ستجد كل من على شاشته يتحدث بالألماني… طبعا!! إجلس أمام التلفزيون الفرنسي ستجد الكل يتحدث الفرنسي… طبعا!!

يا أخي، إجلس أمام التلفزيون الإسرائيلي ستجد الكل يتحدث عبري… طبعا!!!

إلا التلفزيونات التونسية، و يبدو المغاربية عموما، فهي خليط عجيب و هجين من العربية الفصحى و العامية المحلية و الفرنسية!!

لن نتحدث عن العربية الفصحى فقد لا يكون من المناسب دائما التحدث بها بالضرورة في كل الأوقات بالنسبة إلى وسيلة إعلام جمهورها مختلف المستويات التعليمية و الأوساط الاجتماعية… و هذا هو السائد على كل في تلفزيونات مصر و العراق و الخليج و غيرها…

المشكل ليس هنا… المشكل أن المتحدث في التلفزيونات التونسية المختلفة، و في القنوات الخاصة بشكل أبشع بكثير مما عليه الحال في القنوات العامة المملوكة للدولة، يقول لك جملة بالعامية تتخللها مفردة أو مفردتان بالفرنسية ثم يسترسل فقط بالعامية ليتوقف عند فكرة معينة فيقلب الموجة بالكامل إلى الفرنسية بلا أدنى حرج ليعود بعدها إلى العامية المخترقة بالفرنسية و هكذا دواليك.

المشكل ليس هنا فقط… المشكل أيضا أن المذيعين و المذيعات هم أيضا على نفس شاكلة الضيوف في هذا الخليط العجيب. هم لا يكتفون بأنهم مقصرون في عدم التصحيح لضيوفهم و جعلهم يعودون للحديث بلهجة صافية متناغمة و إنما أيضا يسايرونهم في هذا الأسلوب الغريب في الحديث.

المشكل ليس هنا فقط… المشكل كذلك أن هذا الأسلوب المشوّه في الحديث يشترك فيه رجل الشارع العادي و المثقف و لاعب كرة القدم و النقابي و الناشط في المجتمع المدني و النائب في البرلمان و الوزير، الشباب و الكهول، النساء و الرجال، إلا من رحم ربك و هم قلة أقل من القليلة، فمن لا يرمي بجمل فرنسية كاملة يرمي بمفردة أو مفردتين، في البداية أو النهاية أو الوسط، المهم أن تكون هذه المفردات كالملح الذي لا يغيب عن طعام!!

قد ينبري من التونسيين من يقول: و أين المشكل في كل ما ذكرت؟؟ بل و أين الضرر أصلا طالما أن المواطن التونسي هو كذلك في حياته اليومية و ليس دور هذه القنوات أن تتحول إلى وصية على ضيوفها و كيف يتحدثون…

ربما… و لكن لماذا لم يكن كل ما ذكرنا ظاهرة في التلفزيون أيام حكم الرئيس بورقيبة، و هو المتهم من قبل خصومه بأنه المثقف و السياسي المتفرنس و المعادي للعروبة، و لماذا لم يكن كذلك أيام حكم الرئيس بن علي، المتهم من قبل خصومه بأنه محدود الثقافة و معاد لكل توجه قد يكرس ما يخشى

منه عودة إلى الجذور الممهدة للتطرف الديني؟؟!! رغم أن ما جمع العهدين هو معاداة التعددية و الحرية الصحافية و بالتالي لم يكن في سنواتهما الطويلة هذا الكم الهائل من الإذاعات و التلفزيونات المنتعشة في تونس، بغثها و سمينها، منذ ثورة شعبها قبل سبع سنوات.

كل من يحاول أن يبرر هذا المشهد غير الطبيعي من هيمنة هذه «اللغة اللقيطة» في أغلب البرامج التلفزيونية التونسية من اجتماعية و رياضية و سياسية و برامج طبخ و برامج مسابقات و كل شيء تقريبا لن يستطيع على الأرجح أن يقدم تفسيرا مقنعا أو شبه مقنع لذلك.

أما إذا كان التبرير هو القول إن هذا الحديث التلفزيوني و الإذاعي هو حديث موجه للشعب التونسي دون غيره، و إن هذا الشعب يفهمه تماما و بالتالي فالمشكل مفتعل من الأساس… فالجواب هو أن الشعب التونسي ليس فقط من يقيم في تونس العاصمة أو المدن الساحلية السياحية ممن يوجد من بينهم مفتونون بلغة المستعمر السابق و نمط تفكيره كذلك في كل شاردة أو واردة، و إنما أيضا من يقيم في الجنوب و الشمال الغربي و الوسط و الأرياف و هؤلاء ليسوا من هذه الطينة.

أما إذا كان «تزيين» الحديث للتونسيين برمي هذه المفردات الفرنسية يدخل في باب الاستعراض و التباهي بمعرفة لغة أجنبية فليعلم هؤلاء جميعا أن هذه اللغة الفرنسية ،على جمالها و عظمة إرثها و من كتبوا بها، لم تعد تعني شيئا كبيرا الآن في العالم ليس فقط أمام الأنكليزية بل حتى أمام الإسبانية مثلا، و أن إجادة اللغة الفرنسية، على أهميته كإضافة شخصية، لم يعد يعني شيئا كبيرا خارج دول المغرب العربي و إفريقيا السوداء من مستعمرات فرنسا السابقة.

قد لا يكون مناسبا بالكامل تحميل الظاهرة المثارة في هذا المقال أكثر مما تحتمل بجعلها مثلا تعبيرا عن هوية ثقافية جمعية مشوهة أو قلقة، و لكن إذا ما أضيف لها، بشكل عام، تردي المستوى الأخلاقي و الذوقي لكثير مما يقال في وسائل الإعلام التونسية السمعية و البصرية فإن المسألة تبدو أكثر و أخطر من مجرد «لخبطة» لغوية شكلية.