ما يدوم في الواد كان حجرو / بقلم قيس العرقوبي

في منتصف الثمانينات كنت في عمر 6 إلى 7 سنوات، كنّا نرافق قريبي (دون تحديد لقرابته احتراما لخصوصيته)، نرافقه إلى أحد جوامع الحومة، وقتها ما زال “بن علي” لم يجلس على كرسي قرطاج 23 سنة خلت، وبالطبع لم أكن وجمع من أترابي الذين كنا مولعين بارتياد بيت الله العظيم، لم نكن نعلم عن البلد والسياسة وأهلها ومن تعلّق بهم شيئا.

كنّا نحضر بعض الصلوات وقت الراحة من المدرسة، وطالما تنافسنا في حفظ بعض السور القصيرة من “جزء عمّ”، واستحضر تلك النشوة البالغة التي غمرت نفسي و”عمّ عمارة” رحمه الله وهو يهديني كرّاسا مدرسيا وبعض الأٌقلام بعد أن حفظت “سورة الجمعة” وتلوتها تلاوة حاذقة، وأتذكّر كم كنت أدندن بها في غدوي ورواحي.

كنت أحضر وبعض من أقراني “صلاة التروايح” في رمضان وكنّا نتعب فنجلس ونقلق من طول الصلوات لكن لم يكن لدي خيار سوى انتظار “قريبي” حتى أعود معه إلى المنزل مع بعض صحبه، وأحرص يوم العيد على التبكير لحضور الصلاة وخاصة تشنيف الآذان بذاك الذكر السحري المفعم بجلجلة التسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة إلى حين قيام الصلاة فالخطبة فأكل التمر، وما تيسر من حلويات كثيرا ما تساءلت وسألت نفسي من يجلبها.

كبرت بين خطأ وصواب ولم أزل ببيت الله مقدّرا محترما معليا آلاء الله، وكنت على عهد مع جوامع الحومة الكثيرة في حيّنا الكبير، وكان ذاك شأني في عهد المخلوع، والحمد لله لم أتعرّض يوما لما يسوء ولا يسيء، ربّما لأنّ احترام النّفس والناس والقيام بالفرائض دون رياء أو اعتداء على أيّ من بني الوطن لا معنويّا ولا غير ذلك، أو قل هو “ستر الله”.

في عهد المخلوع كان من روّاد بيت الله شباب يرتدي القميص ومتعمّم أيضا، وكان كثير من الذين أطلقوا اللحى وشغفوا بالصلاة فداوموا عليها، وكان بعض من هؤلاء يوقعون في هذا الوقت أو ذاك استنادا إلى ما تفرضه إدارة الأمن حينذاك، ولم يكن يضيرهم ذلك لأنّهم حوسبوا على عبادتهم ومظهرهم، ولم يكونوا لا من المنتمين لأحزاب ولا من المسوقين لإيديولوجيات.

مضى الزمان والقوم على تلك الحال سائرون، حتّى قامت قيامة الثّورة، حينها تبدّل الحال وتغيّرت الأحوال، وامتلأت بيوت الله برهط من الخلق من كلّ الألوان والأحجام والأعمار، واطلقت اللحى وارتديت الأقمصة بصنوف شتّى، ورأينا في ما رأينا لباسا لا يختلف عن محاربي الجيوش، وباتت بيوت الله فضاء للقيل والقال وللجدال وانقلبت الأمور رأسا على عقب.

مرّت السنوات وتوافد المتوافدون وتواتر المتواترون، وجاء خلق الله في البلد كلّهم أجمعون وأطنب المطنبون وبالغ المبالغون، فكنت للحظات أحسبني والقوم عائدون إلى عهد الصحابة الأوّلين، فزمرة المارقين من الذين أساؤوا وأجرموا والذين وسموا بشتّى صروف الإعوجاج عن القوم صاروا شيوخا متحدّثين، نعم دهشت كثيرا وعجبت ولكن قلت هو من قبيل “إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء”.

الفترة الأخيرة أدخل بيت الله، فأجلس ردها من الزمن في وقت محدّد يسبق الصلاة فلا أجد إلاّ ذوات الأشخاص الذين عمروا جوامع الحومة في كلّ وقت، ولم يعفي لحاهم من أطلقها في عهد الديكتاتوريّة والتوقيع الإداري، ولم يغيّر بعض الشباب والرجال أقمصتهم وعماماتهم، ولم يحيدوا عن سكينتهم ووجوههم البشوشة المستبشرة لم تتمكّن نوائب الزّمان من جعلها متجهّمة وبقي قولهم ليّن ومعاملتهم طيبة مع الجميع صلّى أم لم يصلّ.

التفت فلا أجد إلاّ ذوات الحامدين والمحوقلين والمستغفرين والمسبحين، تدور بناظريك فتنغرس في أركان بعينها كان تؤمّ جحافل من الحلق متحلّقين كأنّ على رؤوسهم الطير، لقد ذاب القادمون واضمحلّ الماضون وأسرعوا مندثرين بسرعة البرق، أنظر وأفكّر قليلا وأتفكّر في ما كان وما هو كائن ثمّ أقول في نفسي: