سوريا الّتي أعرفها / بقلم عبد اللطيف علوي

كثيرا ما نسمع جماعة “القوميّة السّياحيّة” يقولون كلاما جميلا بكثير من التّأثّر السّنمائيّ المتقن، كلاما من نوع :

أتمنّى أن تعود سوريا الّتي أعرفها ، وأن يعود العراق الّذي أعرفه …

أنا أيضا أحيانا أتمنّى ذلك ، ولكنّني أعود فأسأل نفسي: ما هي سوريا التي أعرفها ؟
سوريا التي أعرفها هي التي أفرزت سوريا التي لا أعرفها اليوم ولا أريد أن أعرفها …

سوريا التي كنّا نعرفها ، هي تلك المرأة الجميلة الفاتنة بثديين من مرمر ، يراهما الرّجال فتغويهما ، لكنّ ذينك الثّديين كانا يحملان تحت الجلد ، ورما سرطانيّا ، لا ينفكّ يزحف في العتمة ، يأكل الخلايا و ينخر العروق ويشرب الدّم على مهل، حتّى يأتي اليوم الّذي يفتك فيه بتلك الفاتنة الموجوعة ، ولا أحد يأبه لأوجاعها ..

ذلك الورم الّذي أكل الثّديين ، و أتلف الرّحم ، هو الاستبداد… لعشرات السنين ظلّ ينخر الجسد الّذي تزيّنه مساحيق الفنون ، والمعالم الشّامخة ، والأسواق القديمة و القدود الحلبيّة ومسلسلات باب الحارة ، ودمشقيّات نزار قباني …

الكثيرون لا يرون في بلداننا سوى فولكلور جميل ، أو معالم نابضة بما يسمّونه “الحضارة”، أو أمسيات جميلة في مقاه تعبق برائحة التاريخ ، أو حتّى مكتبات مهيبة ترقد في أحشائها قطائف الفكر والفنّ والفلسفة ، منذ مئات السّنين …

لكنّهم لا يرون ولا يسمعون آلاف الحكايات المكتومة ، عن أقبية مظلمة دائمة تمضغ اللّحم البشريّ منذ عهود ، وعن حفلات الاغتصاب الدّائم لأفراح البسطاء الّذين لا تصل إليهم كاميرات القنوات الرّسميّة ، ولا يزورهم السّيّاح ليلتقطوا الصّور مع شواهد أحزانهم وبؤسهم وهوانهم …

في كلّ بلد من بلداننا، هناك نسختان: نسخة تعرض في الفترينات، للكاميرات والمسلسلات والمهرجانات وكتب التّاريخ وتقارير المنظّمات الدّوليّة وللسّيّاح والمستشرقين والشّعراء الرّسميّين,,,

ونسخة أصليّة لا يراها أحد، عالم يتكدّس في الصّناديق الضّيّقة المغلقة ويدفن في الأعماق، تأكله الرّطوبة والعتمة … يتعفّن ويتحلّل ويأكله الدّود في الأقبية والدّواميس لعشرات السّنين، ولا أحد يراه أو يسمع به…

أنا لا أتمنّى أن يعود العراق الّذي أعرفه ، ولا سوريا التي أعرفها …

أتمنّى أن تشفى سوريا والعراق من السّرطان الّذي طالما مدحناه ، وزيّنّاه ، وتعامينا عنه ، في حين كانت الحبيبة تنزف وتتآكل وتتهرّأ في كلّ ذرّة من دواخلها حتّى صارت إلى ما صارت إليه اليوم …