سقوط الإمارات في تونس / بقلم طارق الكحلاوي

كان القرار الإماراتي يوم الجمعة  22 ديسمبر، القاضي بعدم نقل أي امرأة تونسية على متن خطوطها الجوية أو عبر مطاراتها، نقطة فارقة في العلاقات بين البلدين.

ليس لأن سياسة الإمارات تجاه تونس تغيرت، بل لأنها كانت لحظة كاشفة.. كشفت النظرة الإماراتية لتونس، والتي تعادي التجربة الديمقراطية في تونس أساسا، كما كشفت أذنابها، خاصة ممن تاجروا بشعار الوطنية بشكل متواتر ليسقطوا في امتحان “الناقلة الإماراتية” في ظرف 48 ساعة. كانت لحظة سقوط الإمارات، وأذنابها أيضا، في تونس.

ورغم ارتباك الموقف الرسمي الذي بقي صامتا لما يزيد عن الأربع والعشرين ساعة، “طالبا الاستيضاح” فقط في البداية، فإن الضغط الشعبي الهائل الذي حصل؛ أرغم السلطات على اتخاذ موقف يحفظ في الأدنى الكرامة التونسية، بتعليق كافة رحلات الناقلة الجوية الإماراتية التي اختارت أن تأخذ قرارها تحديدا في موسم سفرات وعطل للتونسيين يستخدمون فيها الخطوط الإماراتية في الذهاب إلى الأقطار الآسيوية في عطل نهاية العام. والكثير من هؤلاء دعم ويدعم حزب “نداء تونس” وقائده السبسي؛ المدعومين سابقا من الإمارات.

بعيدا عن تصريحات الناطق باسم الرئاسة التونسية، التي لاقت الكثير من الاستهجان لتبريرها المبطن للقرار الإماراتي، كان التفسير الأدق تقنيا، ولكن أيضا الذي يكشف البعد السياسي فيما حصل، من قبل كمال بن ميلاد، مدير الطيران المدني في وزارة النقل التونسية، في حوار إذاعي يوم 26 ديسمبر. إذ قال: “القرار الذي اتخذته شركة الطيران الإماراتية كان غريبا ومفاجئا؛ لأنها تعد من أحسن الشركات العالمية”، متابعا: “لم يقدّموا أي سبب مقنع، رغم أن الاتفاقية الثنائية تنص على إعلام الطرف الآخر في حال وجود تخوفات أمنية لأخذ الإجرءات اللازمة”. وأوضح أنّ ممثلي الشركة المذكورة اكتفوا في اجتماع يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر، بالقول إنّهم نفذوا تعليمات صادرة من الشركة الأمّ بدبي.

وأعلن مدير عام الطيران المدني بوزارة النقل؛ أنّ الإماراتية برّرت ما قامت به بوجود تخوّفات أمنيةـ “رغم أنّ تونس، وحسب المنظمة الدولية للطيران المدنيـ تحصّلت على ترقيم دولي للأمن في مطاراتها، بلغ 81.75 في المئة، وفق مقاييس أمنية بحتة (المعدّل العالمي 67 في المئة)”. وتابع: “تونس في طليعة البلدان العالمية في توفير الأمن في مطاراتها: حتى أنّها تجاوزت عدّة دول أوروبية، ما يؤكد أنّها بلد آمن في مجال الطيران المدني بكل المقاييس”. وقال: “الإمارات تعلم جيّدا الحماية الأمنية الذي توفرها تونس في مطاراتها، ولو كانت ترغب في مزيد تشديد الإجراءات فعليها أن تطلب منّا ذلك”، على حدّ تعبيره.

وفي السياق ذاته، قال بن ميلاد إنّه، وحسب الاتفاقيات الجوية، في حال وجود تهديد؛ يجب إعلام سلطة الطيران المدني في البلد المعني (تونس في هذه الحالة) لتفعيل آليات الطيران المدني لحماية الطائرات والمطار والمسافرين، وهي إجراءات أمنية وفنية فورية تستخدم دون تأخير موعد إقلاع لطائرات أو المس بمصلحة المسافرين. وكشف أن “هناك بلدانا طلبت منّا تفعيل آليات الطيران المدني، واستجبنا؛ لأنّه إجراء عادي ومعمول به. ونحن بدورنا قمنا بذلك مع دول أخرى.. وهو أمر داخل في منظومة الطيران المدني الذي يعدّ عرضة للأعمال الإرهابية”.

المشكلة؛ أنه كان علينا الاستماع – طيلة أيام – لحالة من التبرير من أقلية كشفت عن ولائها أساسا لأبو ظبي على حساب بلدها تونس. بعد أيام من التبرير، وطيلة نصف ساعة في حوار إذاعي، لم يجرؤ محسن مرزوق، أمين عام حزب المشروع (الذي خرج عن نداء تونس) على التنديد بالقرار الإماراتي، وتمسك بتحميل المسؤولية “للناقلة الإماراتية” حصرا، رغم أن كل ما نشر حول ما حصل (بما في ذلك ما قاله مدير الطيران المدني التونسي الذي سبقه على ميكروفون نفس الإذاعة) يؤكد أن قرار الناقلة هو قرار أبو ظبي ودولة الإمارات مباشرة.

السيد أحمد ونيس، ديبلوماسي سابق وقريب من حزب المشروع، وفي ذات اليوم في حوار على التلفزة الوطنية، يقول: “الخطأ هو من الشركة الجوية الإماراتية التي اتخذت قرارا على أساس أمني؛ دون إعلام السلطات الإماراتية”. قالها وكررها في نهاية البرنامج، وكأن الشركة الإماراتية دولة في ذاتها لديها أجهزتها المخابراتية الخاصة!

الموقف الإماراتي من تونس يعود إلى أيام الثورة، عندما أوقفت كل مشاريعها الضخمة بعد هروب بن علي. وأكبر المغالطات؛ الربط بين العداء الإماراتي وإمساك الإسلاميين بالحكم. فرغم العداء الحقيقي والمؤكد لأبو ظبي للإسلاميين (ولو أنه كذلك لا ينطبق على إخوان اليمن مثلا)، فإن سياستهم في تونس لم تتغير منذ الثورة، سواء أمسك الإسلاميون بالسلطة أم لا. والمعروف أنه منذ سنة 2015، أصبح حكم البلاد بالأساس في يد قائد السبسي وحزبه، ولا تلعب حركة النهضة، الإسلامية، إلا دورا ثانويا معاضدا.

الباحث يوسف الشريف، المختص في العلاقات الخليجية- المغاربية، كتب في كانون الثاني/ يناير الماضي في موقع مركز كارنيغي؛ تعليقا على مخرجات مؤتمر الاستثمار الدولي “تونس 2020” والحضور الخليجي فيه، مقارنا خاصة بين الحضور الإماراتي والقطري: “ضعف حضور الإماراتيين في تونس 2020، مؤتمر الاستثمار التونسي الذي عقد بين 29 و30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، يسلط الضوء على العلاقات غير المتكافئة لتونس مع دول الخليج. وكان الحاضران الإماراتيان الوحيدان اثنين من المديرين التنفيذيين من دبي القابضة، وهي شركة يملكها أمير دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وقد استقبلهم رئيس الوزراء يوسف الشاهد، مثل رؤساء الدول. وعلى الرغم من أنه تم التعهد خلال المؤتمر بأكثر من 14 مليار دولار، من القروض والمنح والاستثمارات، وتم الإعلان عن العديد من المشاريع الكبيرة، كان إعلان الإمارات الوحيد في المؤتمر هو أن شركة إيت (جزء من دبي القابضة) ستبيع حصتها البالغة 35 في المئة في مشغل الهاتف التونسي تونس للاتصلات. وعلى النقيض من ذلك، أعلن الأمير القطري الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، رئيس الدولة الأجنبي الوحيد الذي حضر، حزمة مالية بقيمة 1.25 مليار دولار، كما وقع سفير قطر في تونس مبلغا إضافيا قدره 2.2 مليون دولار لتغطية تكاليف المؤتمر”.

بمعنى آخر، بعكس دول خليجية أخرى مثل قطر التي بقيت استثماراتها في تونس على نفس الوتيرة، بل زادت قبل وبعد الثورة، نحن إزاء دولة لم ترتح البتة لإزاحة حليفها بن علي، الذي كان – بالمناسبة – في مثل هذه الأيام منذ سبع سنوات يقضي عطلة نهاية العام 2010 في دبي، والرصاص الحي لأجهزته الأمنية يطيح تباعا بشهداء الثورة التونسية، وأولهم الشهيد محمد العماري.

عربي 21