سائق التاكسي و الدرس البليغ / بقلم نصر الدين بالسعد

حصرني أمس شأن آكد ، فأوقفت سيارة تاكسي و يممت وجهي شطر بن عروس .. فحصلت لي مفاجأة مع السائق المتراوح سنّه بين الكهولة و الشيخوخة ، إذ بدا مرحا لطيفا و هو يستمع لإذاعة

من الإذاعات ـ أظنها الشباب ـ في برنامج سياسي .. فقال أحد المتصلين عبر الهاتف و هو يتفاعل مع المنشط عبارة مفادها أنّ تونس ما دام يحكمها الشيخان الخرِفان فهي ” داخلة في حيط ” . انفجر صاحبي ضاحكا باستهزاء ، ظننته للوهلة الأولى متفقا معه فيما يرى ، غير أنه استطرد ” زايد .. ما ينفع معاكم شيْ ” و استرسل في الكلام و تماديتُ في الدهشة . لقد قال كلاما يختزل المشهد كله ، فهما و عمقا في التحليل الشعبي البسيط ، مع دراية بتاريخ البلاد و خصائص عمّارها عبر الدول التي حكمتها و الحضارات التي عبرت منها ، ما جعلني أجزم أنّ هذا الرجل فهم المرحلة و ما تقتضيه و أدرك سرّ اللعبة بكل بساطة و لا هو خريج جامعات و لا آفاقي من آفاقيي السياسة و لا فهلوي من خريجي ترسانة الخبراء المرتزقة .. أحسست أنّه يمثل طيفا واسعا من أبناء هذه البلاد الطيبة .
قال : إنّ تونس لا يُصلحها التنافي و التناحر و الإقصاء .. يعني ” يا آنا يا إنت في ها البلاد ” بل يصلحها التوافق و التلاقي بين المتنافيين و المتناحرين .. و هذا ليس تخمين الساعة ، بل قديما و حديثا و في كل البلاد العربية و الإسلامية .. ألم يكن النصارى و اليهود يعيشون مع المسلمين دهورا بدون تنافي؟ حتى جاء الاستعمار و حرّك فيهم خلايا التنافي النائمة . ألم يكن الشيعة و العلوِيّة و الزيدية و غيرهم يعيشون مع السنّة في العراق و في سوريا و في غيرهما دهورا بدون تنافي؟ حتى داستهم أمريكا و روسيا بحوافرهما النجسة و حركت كوامِنَهم الدفينة و أذكت نار التنافي بينهم . ألم يكن البوذيّون و المسلمون الروهينقا يتعايشون دهورا بسلام؟ حتى جاء هذا الراهب اللعين و أعلن التنافي و تبنّت الدولة الخيار فحصل ما حصل . أعود بك إلى تونس .. إلى متى يظل منطق التنافي يحكمنا ؟ هذا اليسار اللعين ألم يستوعب الدرس ؟ مجرم تونس الأكبر كمال لطيّف ألم يرْعوِ؟ الطغمة النخبويّة العفِنة .. درسوا الأفكار و الفلسفات و النظريّات كلها ثم أرست بهم إلى مرفأ التنافي؟ متى يفهمون أن تونس لا تُساس إلاّ بالتوافق و لا تُدمّر إلا بالتجاذب و الاستقطاب و الإقصاء؟ أعطيك زبدة الحديث : التجمع فاسد و متحيّل و انتهازي و سارق .. لكن لديه خبرات متراكمة في تسيير الدولة . النهضة ” ناس نظاف و أمناء و ما عندهمش فساد ” لكن يفتقرون الخبرات الكافية للإدارة و تسيير الحكم نتيجة غيابهم أو إقصائهم عن الإدارة . بالإقصاء و التنافي يظل النظام القديم الفاسد يرتع في دواليب الدولة دون إلجام .. و تظل النهضة و نظافة يدها و براءة ذمّتها لنفسها دون تأثير في المشهد .. فإذا كان ذلك ظلّ الأمر على حاله و لن تقوم لتونس قائمة . بينما بالتوافق و التلاقي مع نسيان الماضي الأليم ، تلتقي خبرات الأول و قدراته في التسيير مع نظافة الثاني و تورّعه .. فيقع تنجير الفساد بالتدرّج و تنتعش البلاد و تعود الثقة إلى الناس و ينخرط الجميع في هذا الخيار إذا رأوْا ثماره .. و حينئذ لا يشذ إلاّ الذي لا يريد الخير لتونس .( هذا كلام السائق بتصرّف مني )