ترشيح اليهودي في ميزان الإسلام / بقلم الهادي بريك

هممت في بداية هذه العاصفة ـ ترشيح يهودي تونسي على قائمة حزب النهضة بمدينة المنستير الساحلية في الإنتخابات البلدية ( المحلية ) المزمع إجراؤها في الربيع القادم ـ بكتابة مقال يشيد بالصفة المدنية الحضارية لهذا الحزب الذي تجهز له خنادق تحد من تأثيره وربما تمهد لإقصائه إذ بدأ الحملة رئيس الدولة نفسه ـ على جلالة قدره فيما يخص الإستقلال الوطني عن الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول العربية والعبرية والغربية التي تعمل ليل نهار لوأد التجربة الديمقراطية التونسية ـ مصرحا بأن حزب النهضة لم يتمدن بالقدر الكافي ثم ذهب عمليا فكلف لجنة من غير ذوي الإختصاص الشرعي للنظر في السطو كما فعل بورقيبة ـ بل أشد ـ على بعض المحكمات الدينية. نظر ظاهره التحديث وباطنه إحراج هذا الحزب فإما أن يستجيب ويتعلمن أو يرفض فيعرض نفسه لملحمة جديدة من الإقصاء. ثم عدلت عن مقالي بسبب كثرة الأقلام التي تناولت المسألة حتى دوّلتها واليوم تحصلت على هذا النص الآتي . لن أذكر صاحبه لأن النص ورد في نافذة خاصة بأهلها إلا أن يعلن هو عن نفسه وهو رجل صاحب قدر عال وفضل كبير والله وحده يعلم أني أكنّ له حبا وتبجيلا ولكن كم هي تعيسة هذه الأفكار التي لا تكاد تبقي لنا من حرمة بعضنا مع بعض. أتفاعل مع الرأي وصاحبه فوق عنان السماء قدره عندي. أنقل النص حرفا حرفا أمانة

هذا متن النص كاملا

سْم الله الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله
ترشيح النهضة ليهودي للانتخابات البلدية مخالف لكتاب الله و لسنّة رسوله و لسنّة الخلفاء الراشدين و للفطرة السليمة
● اما مخالفة ذلك لكتاب الله فدليله قول الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ” (المائدة51) . قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره ” التحرير و التنوير ” معقبا على هذه الآية : [لأنّ الولاية تنبنِي على الوفاق والوئام والصّلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبُعد ما بين الأخلاق الدّينيّة ، ولإضمارهم الكَيد للمسلمين .]
● اما مخالفة ذلك لسنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم فدليله قوله صلى الله عليه و سلم ( من سنّ في الإسلام سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ) أخرجه مسلم في صحيحه. و لا شك ان كل ما خالف كتاب الله مخالفة صريحة فهو من السنّة السيئة .
● اما مخالفة ذلك لسنّة الخلفاء الراشدين فهذا دليلها : كان عمرو بن العاص واليآ علي مصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين فشغر منصب أمين بيت مال المسلمين في مصر فعين عمرو بن العاص رجلا يهوديا في هذا المنصب كأمين لبيت مال المسلمين فاحتج المسلمون علي هذا التعين ورفعوا احتجاجهم لعمرو بن العاص فلم يستجب لمطالبهم فاضطروا الي رفع الموضوع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة فكتب عمر بن الخطاب الي والي مصر عمرو بن العاص بعزل اليهودي من منصب أمانة بيت مال المسلمين واستمر اليهودي في منصبه علي أساس التروي في البحث عن بديل الا ان سيدنا عمر بن الخطاب أصر علي استبدال اليهودي في أمانة بيت مال المسلمين برجل مسلم فكتب عمر بن الخطاب هذه الرسالة المختصرة في كلمة واحدة فقط ( مات اليهودي ) و هو يقصد : إن مات اليهودي فمن عساك ان تولّي غيره ، يهوديا ام مسلما ؟
● اما مخالفة ذلك للفطرة السليمة فيكفي دليلا على ذلك هذا السؤال : أليس من مهمات رئيس البلدية إتمام عقود الزواج ؟ فهل تقبل الفطرة السليمة لمسلم و مسلمة ان يتم عقد زواجهما على يد يهودي ؟ حتى و ان صحّ ذلك شرعا .

هذا نص تفاعلي

هذه القضية بحكم إنتمائها لما سمي قديما ـ السياسة الشرعية ـ لا تعالج بالتحليل والتحريم بل تعالج بالمصلحة والمفسدة أو بالعدل والجور وكلاهما معيار يحكم به على الأعمال التي تنتمي إلى المجال العام إذ أن الإسلام بشريعته مزدوج المعايير ـ دعك من المعنى الإعلامي السياسي الحديث وظلاله السيئة ـ فهو يخصص لكل حقل من حقول الحياة مقياسا محكّما. في العقيدة مقياسه هو الحق والباطل أو الكفر والإيمان وفي العبادة مقياسه الطاعة والمعصية وفي الأعمال التي تقع بين العبادة من جهة والحقل العام من جهة كالمأكولات والمنكوحات وغيرها فإن المعيار هو الحلال والحرام وفي الحقل العام ـ المعاملات بالتعبير القديم ـ مقياسه هو العدل والجور سيما إذا كان التعامل ماليا أو المصلحة والمفسدة سيما إذا كان التعامل سياسيا. معنى ذلك هو أن المعيار مزدوج يتغير بحسب الحقل ولو عولجت الحقول كلها بمقياس الحقل العقدي ـ الإيماني ـ لكفر الناس كلهم أجمعون ولو عولج الحقل العقدي الإيماني بالمصلحة والمفسدة لأصبح اليهودي مسلما ومثله النصراني. قضية ترشيح يهودي تونسي على قائمة حزب ذي خلفية إسلامية تعالج بالمصلحة والمفسدة أو العدل والجور وليس بالحلال والحرام أو الحق والباطل أو الكفر والإيمان أو الطاعة والمعصية لأنها قضية تشتبك فيها الأبعاد. وكلما إبتعد الحقل عن الجذر الأول الحاكم أي العقيدة ـ أو الإيمان بالتعبير الأصفى والأنقى ـ تدخلت المعايير الأخرى لتيسير الحياة

أمثلة من القرآن الكريم

قال تعالى :“ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم أوآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن إرتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين “. المائدة 106. فحوى الآية هي الحرص على حفظ الحقوق المادية للناس وذلك بالإشهاد على الوصية وإمعانا في حرص الشريعة على الحقوق المادية للناس حتى في حالات الإستثناء كالسفر والمرض وعدم وجود الشاهد المسلم فإن الله سبحانه إشترط صفة العدل حتى لو توفرت في غيرنا أي في غير المسلم. المعيار المحكم هنا هو معيار العدل والجور وليس معيار الحق والباطل لأن القضية عامة من جهة ولأن هذه الصفة لا يخلو منها إنسان حتى من غير المسلمين من جهة ثانية ولمكانة قيمة الإنسان في الإسلام وقيمة حقوقه المادية من جهة ثالثة. هذا شاهد كافر ولكنه صاحب عدل على حق مادي للناس وهو دليل على مشروعية تولي الناس كفالة حقوقهم المادية بعضهم لبعض بغض النظر عن دينهم عندما تتوفر صفة العدالة. والعمل البلدي ـ المحلي ـ من هذا القبيل وهو قياس صحيح

قال تعالى :“ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان “. هذا دليل كاف كذلك على أن التعاون منا جميعا وعلى أساس المواطنة في صورة الحال وفي صورة كل حال مثله مطلوب على البر والتقوى. ومن التقوى : إقامة الحق والعدل لقوله سبحانه ” إعدلوا هو أقرب للتقوى “. فليست التقوى خاصة بالسجود أو التلاوة ولكنها عمل عام شامل يجمع إليه كل فعل يكون الناس به إلى العدل أدنى ومن الجور أبعد. والبر مثل التقوى إذ ورد في شأن العلاقة مع غير المسلمين المسالمين في أول آيتي الممتحنة اللتين إعتبرهما الفقهاء لحمة العلاقات الخارجية وسداها ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم “. فالبر إليهم مصروف فريضة من الله وهم غير مسلمين. التعاون إذن على البر والتقوى ـ وهما قيمتان تتجاوزان البعد الشخصي الخاص في الإعتقاد والعبادة إلى المجال العام ـ فريضة علينا صرفها إلى غيرنا ممن يتوفرون على خلال العدل

ولست في حاجة إلى التذكير بأن الخطاب القرآني ظل دوما ينصف أهل الكتاب ـ ومنهم يهود ـ بحرصه على إستخدام صيغ التبعيض المنافي للتعميم إذ قال مثلا :“ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك .. هذه الإشارة تدل بدليل الإشارة والإقتضاء معا ـ وليس العبارة لأن الملابسة ليست ملابسة بيان لحكم شرعي ـ إلى أن اليهودي الذي يؤتمن جانبه فلا يخصم حقوق الناس ممدوح عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام وهو مثال يمكن أن يستعان به على العمل البلدي المحلي الذي نحن بصدده . على أن الإشارات هنا في الكتاب العزيز لا تحصى ولا تعد

أمثلة من السنة النبوية أو السيرة

إستأجر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام مشركا ـ وهو في الأصل العام أبعد من الكتابي ـ ليكون قائد أخطر رحلة في الإسلام ـ بل في التاريخ ـ وهي رحلة الهجرة التي كانت محفوفة بمخاطر عظمى فإما أن تنجح فينداح الإسلام بالحرية وإما أن تكشف فيلقى الأصحاب أضعاف ما كانوا يلقونه قبل ذلك. ما إستأجره إلا لثقته في أمانته حتى وهو مشرك ولو أراد ذلك المشرك أن يخون لكانت مصيبة ولما وصل إلينا الإسلام. لا إخال قائلا يقول أن المشرك أولى من اليهودي لأن العكس هو الحاصل وهذا بصفة عامة وليس لنا هنا أن نقول أن فلانا اليهودي مثلا أقل أمانة من فلان المشرك. ولكن الفعل النبوي كله إشارات منهاجية غزيرة يقصد منها التشريع السياسي العام وليس التشريع الديني الخاص لأننا في حقل معاملات عامة وليس لنا أن نقول أن هذه سيرة ولا تلزمنا وهي صحيح لا تلزمنا فردا فردا ولكنها موضوعة لللإستئناس والذين يصطلون بجمرات العمل العام في مثل ظروفنا يدركون معنى الإستئناس بالسيرة وبالتاريخ البشري كله في مظانه البيضاء

إنتاجه عليه الصلاة والسلام لما نسميه اليوم صحيفة المدينة أي الدستور الإسلامي الأول في التاريخ وفيه نظام فدرالي يقوم على الإعتراف بالدين اليهودي حتى وقد نزع الله منه المشروعية الدينية وهو إعتراف بحق الحياة وحق الوجود بل إعتراف به على أساس المساواة في المواطنة ولذلك نظم ذلك الدستور الأول الحياة العامة بين المسلمين وبين اليهود على أساس فدرالي سبق به الولايات المتحدة الأميريكية وألمانيا إذ أقر لليهود بل لكل بطن منهم بنظامه المحلي يرتبه على أساس عقيدته ودينه كما يشاء بشرط واحد هو أن يتكافل المواطنون جميعا بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم على حماية الدولة الجديدة ـ أي المدينة ذلك الإسم الحضاري الجميل الذي إختاره لها الله نفسه سبحانه وفيه القيم التي علينا النهل منها ـ من أي عدوان خارجي. ذلك يعني أن اليهودي في النظام الإسلامي مواطن كامل المواطنة له ما لنا وعليه ما علينا وأظن أننا اليوم تجاوزنا نظام الجزية إذ أن المقصد منها متحقق بمسؤوليات المواطنة وحقوقها وكذا عبارات أهل الذمة وهو مصطلح راق ولكن دنسته الأقلام السيئة

لما ثقل عليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما يعانيه أصحابه في واقعة الخندق رأى أن يرشي قبيلة غطفان بمال كبير وكثير هو ثلث ميزانية الدولة في تلك الأيام أي تمر المدينة الذي هو دخلها الأوفر ولكن لما عرض المقترح على الأصحاب وكان يقصد الأنصار لأنهم أصحاب الأرض الأصلاء لم يوافقوا فأقرهم وإطمأن إلى الجاهزية النفسية والعسكرية لأصحابه. أليس لنا أن نقول أنى له أن يعطي ثلث الميزانية كلها من مال المسلمين لمشركين بل مشركين محاربين؟ إنها سياسة المصالح والمفاسد وليس بمعيار الحلال والحرام هنا أو بمقياس الحق والباطل أو الطاعة والمعصية. هي حقوق مالية كبرى للمسلمين تعطى لمشركين محاربين. نحن في صورة الحال نعطي صلاحيات إدارية ليهودي تونسي له ما لنا وعليه ما علينا يا حبيبي

أمثلة من الخلافة الراشدة المهدية الأولى

ليس ملطوبا أن أسوق منها أمثلة لأنها لا تصلح عدا للإستئناس وليس للتأسي ولكني أظن ـ رغم ضعف الحديث الوارد فيها ومعناه صحيح ـ أنها تجربة إسلامية راشدة مهدية حقا ولكن في توجهها السياسي العام ومعالجتها للقضايا العامة وليس بمعنى أن أصحابها معصومون وخاصة في صدرها الأول أي مرحلة الشيخين العظيمين
إذ كلف الفاروق إمرأة هي الشفاء على السوق المركزي للمدينة أي رئيسة بلدية بالتعبير المعاصر ولم يعترض عليه صحابي واحد أنها إمرأة وهي صاحبة نصف شهادة كما نلوي نحن اليوم النصوص الدينية لتوافق إنحطاطنا أو أنها ناقصة عقل ودين بالمعنى السيئ الذي ملأنا به الرؤوس . بل إن الفاروق جعل لكل مولود منحة إجتماعية من الدولة ولم يخص بها المسلمين لأن اليهود في دولته مواطنون أسوياء سواسية. لم يعترض عليه صحابي أن مال المسلمين يذهب إلى اليهود الذين وضع الجزية عن كبيرهم وشيخهم ومسنهم بل فرض لهم منحة تقاعد وبذلك سبق النظم الغربية اليوم بالكفالة الإجتماعية الحكومية للناس. لم أقول هذا وأي علاقة بين المرأة واليهودي؟ لأن القياس بينهما في بعض ـ بل في كثير ـ من مراجعنا الفقهية وتراثنا المنخول المدخول كثيرا قياس مقبول فالمرأة ناقصة تافهة وهي مواطن من درجة ثانية واليهودي مثلها أو أسوأ منها حظا. أظن أن القياس هنا كذلك له وجهة نظر قابلة للحوار على الأقل . أما القياس الأبلج فهو ما سنّه الإمام علي عليه الرضوان إذ سطر سياسة مع الخوارج وهم معارضة مسلحة في البداية قوامها أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فلا يمنعون مسجدا ولا فيئا. الحكمة هنا هي أن المواطن المسالم يرعى له حقه في المشاركة العامة بغض النظر عن موضع معارضته أو دينه ما دام مواطنا ينتمي للدولة وما دام مسالما وإلا سقطنا فعلا في الدولة التيوقراطية العنصرية التي ظل الغرب يرزح تحتها قرونا طويلة فما تحرر بها رمانا

أمثلة من التاريخ الإسلامي

في بعض العهود الفاطمية ولي بعض اليهود مناصب عليا في الدولة حتى قال شاعر : يا أهل مصر قد نصحت لكم .. تهودوا فقد تهود الفلك. وتواترت الأخبار بمثل ذلك لما فقه المسلمون معالم النظام السياسي الإسلامي وقوامه العدل والقسط والتعارف والوحدة وحق التعدد والقوة والعلم والمرجعية الإسلامية وغير ذلك

حوار هادئ مع صاحب الفتوى

يستند صاحب الفتوى التي لا تبيح ترشيح اليهودي على قائمة حزب النهضة على أساس الولاية وأتى بآية وبشرح العلامة إبن عاشور رحمه الله لها. الآية صحيحة دون ريب ولكن الولاية الممنوعة هنا هي الولاية العقدية إبتداء وإن كانت ليست هي المقصود الأولى. إنما المقصود الأول وبحسب ذلك السياق التاريخي الذي تتنزل فيه آيات سورة المائدة هو الولاء السياسي وهو فعل كان يعمد إليه المنافقون وبعض العرب والغرض منه هو إحداث البلبلة في الصف الإسلامي كما هو الشأن في قضية الردة بالتمام والكمال إذ لم يشهد الصف الإسلامي يومها ولا بعدها حركة ردة وإنما كانت الردة حركة مقصودة من لدن المنافقين ـ الجناح الخفي للإسرائيليين في تلك الأيام تقاسما للأدور بينهم ـ وهي رسالة إلى الشاهد الدولي يومها أن الإسلام لا يشهد قرارا أي إستقرارا بتعبيرنا المعاصر وبذلك تنصرف أذهان الناس عنه. كذلك الأمر في الولاء منهم لليهود أي إنحيازا لهم في معركة حربية من المعارك الجارية يومها أو تحكيما لهم في قضية ما وهو ولاء سياسي بالتعبير المعاصر والحال أن فيهم ـ أي أولئك المنافقين الذين هم مسلمون في الحالة المدنية الرسمية ومثلهم اليهود الذين ينتمون إلى الدولة التي يقودها هو عليه الصلاة والسلام قيادة عسكرية وسياسية ـ رسول الله عليه الصلاة والسلام. أما الولايات الأخرى فهي مشروعة ومنها الولاية المالية إشتراكا في تجارة أو ولاية نسبية بحكم الزواج وقد أباح بعض الفقهاء المعتبرين ولاية غير المسلم ـ والكتابي أولى وأولى ـ على إبنته في عقد النكاح وفي ولايات أخرى كثيرة لا يتسع المجال هنا لها ومثلها الولايات المدنية بصفة عامة عدا الولاية العظمى بالتعبير القديم أي رئاسة الدولة ولكنها الدولة القديمة أي الخلافة العظمى أما قياس الدولة القطرية اليوم على الخلافة العظمى بالتعبير القديم فهو قياس بعيد. النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام لما إستأجر المشرك ليكون قائدا لأخطر رحلة أي رحلة الهجرة ألم يوله الولاية الجغرافية والتاريخية فهو الذي يحدد المكان والزمان وسائر الملابسات لإنجاح العملية؟ أمهات المؤمنين عليهن الرضوان من غير المسلمين أي أصهاره من اليهود والمشركين والمرتدين أليس عليهن ولاية الآباء؟ هل نسخت تلك الولايات بسبب الزواج بهن منه عليه الصلاة
السلام؟ وعندما إقترض عليه الصلاة والسلام شعيرا من يهودي ـ مواطن في دولته ـ فرهن لديه درعه ـ وهو سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وهو جزء من الترسانة العسكرية في تلك الأيام ـ ألم تكن تلك ولاية تجارية طرفها الأقوى هو اليهودي؟ الولاية المحرمة إذن هي الولاية السياسية التي تجعل الأمة في حالة دونية وهوان بحيث تفرض عليها مقايضات سياسية أو يسلب قرارها السيادي أو غير ذلك مما نراه اليوم ومن باب أولى وأحرى الولاية العقدية أما الولايات الأخرى فهي ولايات تعاون وتكافل وتضامن على البر والتقوى تخضع للتقديرات بحسب المصلحة والمفسدة والجور والعد. أما تفسير إبن عاشور هنا فهو الصحيح القح ولكن المشكلة في إستدعاء الآية وتفسيرها من هذا الفارس المغوار

أما إستدعاء صاحب الفتوى ـ على فضله وكبر قدره عندي والله ـ للحديث الصحيح فلا يحتاج لنقاش أصلا. بل أقول بالعكس تماما : إن حزب النهضة الذي جدد سنة ـ أو أحياها وليس هو صاحبها ـ وهي سنة المواطنة المساوية قد ضرب أروع الأمثلة في الفهم الصحيح للإسلام وملاءمة تشريعه مع عصرنا دون ذوبان أو تعلمن من جهة ودون تحجر أو تجمد وتزمت من جهة أخرى. هذا الحديث حجة لحزب النهضة وليس حجة عليها إذ مضت السنن راتبة من النبوة والخلافة الراشدة والتاريخ على تقديم أساس المواطنة المتساوية عندما نضمن قيم العدل ونأمن الجور وعندما تكون هناك مصلحة للناس وليس لهم فيها مفسدة بل حتى في حالي العدل والجور والمصلحة والمفسدة فإن المعول عليه هو الغلبة والرجحان وليس الإطلاق لإن الحقل العام كله لا يحتمل الصفاء فلا بد من قالة إبن تيمية عليه الرحمة والرضوان : ليس العاقل من يعرف الخير من الشر بل العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين

أما الإحتجاج بفعل عمر فهو يحتاج نقاشا عسى ألا يكون طويلا. فمن ناحية أولى فإن عمر الفاروق عندي أفقه الناس طرا مطلقا سيما في الشأن السياسي العام بعد صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام وغرضي من ذلك أن الرجل ـ إن صحت الرواية أصلا ـ ربما سارع إلى عزل اليهودي لعدم أمانته وليس لدينه وهذا هو الأرجح من فعل عمر الذي لو عدنا إلى سيرته السياسية والمالية لكنا خير الناس مطلقا. وهب أنه أعفاه لأنه يهودي فربما له مصلحة في ذلك إذ أن في الناس من المسلمين من هو أوفر منه حظا في إدارة تلك المصلحة وهو يحتاج مالا مقابل ذلك أو أي مصلحة أخرى أما أن يقنعني إنسي أن الفاروق فعل ذلك بإعتبار أن اليهودي لا يجوز له ذلك فهو ما لا أقبله لأني أعرف جيدا كيف يفكر عمر ولولا طول المقام بنا هنا لأنزلت من أولياته كما سميت قديما الذي أنزلت. وعلى كل حال دعنا نهب أن الفاروق على جلالة قدره أخطأ فهل نحن نتبع عمرا أو محمدا عليه الصلاة والسلام. المسألة عندي واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار : لا أتبع في ديني أحدا عدا محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن يكون إجماعا من الصحابة وهذا معروف ونادر في مثل هذا

وليعذرني صاحب الفتوى على جلالة قدره أن ما أحال إليه نفسه وسماه مسألة الفطرة فلا يسلم من معارضة إذ أن الفطرة لا تدخل في الدين حتى لو كانت تدعمه وتسنده بل هي تدخل في التحسينيات بتعبير الأصوليين لأن الفطرة جمال وزينة والقضية هنا دينية في حقل عام. وهذا تصوير لا يقبل أن رئيس البلدية يعقد عقود النكاح ثم يقول أنه مخالف للفطرة حتى لو جاز شرعا. مادام ذلك يجوز شرعا فما دور الفطرة هنا؟ ومتى كان رئيس البلدية ـ على فرض أن هذا اليهودي سيكون رئيس بلدية وليس لي أي مانع في ذلك ولو قلت أكثر من ذلك ربما كفرت وجلدت أو قتلت حد ردة ـ هو الذي يعقد عقود الزواج؟ لا أظن أن الإستقواء بالفطرة هنا يسعفك يا شيخي على جلالة قدرك وهو مثل دعوتك لحديث السنة آنف الذكر

هذا رأيي

أولا : القضية لا علاقة لها بالدين بمعناه الإسلامي بل علاقتها بالإسلام الذي ينظم الحقل العام لأنها قضية سياسية أو إدارية لا تحل بالحلال والحرام بل بالمصلحة والمفسدة أو الجور والعدل وهو خلل منهجي علينا تفاديه حتى لا نعالج هذا الحقل بغير مشرطه فنقع في سوء الإستدلال

ثانيا : وضعنا الحالي في تونس وخارجها هو وضع مواطنة وهو وضع أقره الإسلام ونفذه عليه الصلاة والسلام ليكون لنا دينا مدينا وسنة نبوية ومنهاجا في معالجة القضايا على أساس المواطنة التي لم تعد تحتاج حتى إلى فرض جزية وهي اليوم مفروضة علينا نحن المسلمين من المجتمع الدولي النافذ القوي ولا إلى تمييزات على أسس دينية أو لونية أو عرقية أو لسانية أو جهوية أو فئوية أو جنسية وذلك هو الإسلام عندما ينداح بحرية لينظم الشأن العام. بل دعني أصدم بالصدمة الكبرى لأتهم بالزندقة جملة بدون تفصيل : هذا اليهودي لو ترشح لرئاسة الدولة في تونس ما يجوز لأحد أن يمنعه بسبب ديني لأن تونس اليوم ليست ممثلة للأمة الإسلامية بأسرها ولأن الفضاء العام وخاصة في نظام كالذي ينص عليه دستورنا لا يجعل من رئيس الدولة صاحب سلطان ديني بل هو صاحب سلطان مدني. ولكن القضية تحتاج إلى نظر لأن القياس على ما سمي قديما الخلافة العظمى وتحريم ذلك على المرأة وغير المسلم ـ كما شاء بعضهم ألا تقطع الصلاة إلا من كلب أسود وإمرأة ـ يحتاج إلى حوار هو عندي محسوم

ثالثا : حزب النهضة بهذا الفتح الفكري السياسي الأعظم لو شهد لها الخصوم ـ بل حتى أبنائها قبل غيرهم ـ شهادة حق منصفة لمنحوها شهادة في التمدن والتحضر والترقي والفهم الأصح للإسلام والوطنية ولكنها هي الدنيا ترفع فيها وتخفض الأموال والسلطات والنفوذ وليس الأفكار والثقافات ويكفي حزب النهضة فخرا أنه بز الجميع من خلانه وخصومه ولا أمل أن يشهد له بذلك وكفى بالله شهيدا وحسيبا وهذا الشعب سيدرك يوما أنه كان أمام تيار إسلامي بلغ عنان السماء في ملاءمته الإسلام مع العصر وجريرته الوحيدة أنه تقدم بسرعة فلم يراع خطى الضعفاء وهي جريرة فعلا وليس مزحا
إبن عقيل الكبير

هذا رجل ليس له تراث سياسي كبير وهو فقيه معروف ومن قالاته العظمى أن السياسة ليست ما وافق السنة فحسب بل ما لم يكن عليها خصيما إذ أن الوحي كله لا يمكن له أن يحيط بكل شيء حتى في تفاصيل بعض العبادات وهي محصورة فما بالك بالحقل العام ولذلك لا تجد فيه حكما نصيا فيما نحن بصدده ولكن تجد فيه المبادئ والمقاصد والكليات التي تنفذها وتسحبها على مثل ما نحن فيه وغيره وتلك هي فلسفة الإسلام التشريعية فمن فقه هذا فقد فقه ومن تنكبه فما عليه سوى التعلم وكلنا طلبة علم

كلمة أخيرة

أشفق على سعاد عبد الرحيم أن ينالها مثل هذا فهي إمرأة ناقصة عقل ودين وصاحبة نصف شهادة وتحيض وتنفس وهي غير مختمرة والأسباب كثيرة في رؤوسنا.. أشفق عليها حقا. هي إمرأة وكيف يجوز لها أن تكون شيخ مدينة تونس العظمى؟

يا أحبابي

تداركوا وعيكم قبل فوات الأوان
جددوا تراثكم في حزب النهضة فهو منارة عملنا جميعا على الإطاحة بها
هذا الدين إما أن يتجدد تلبية لدعوته في حديثه الصحيح عليه الصلاة والسلام وإما أن نيبس نحن ونتبدد أما هو فيقيض له الله من يجدده فيسعدون به

أستغفر الله أولا وقبل كل شيء
أستغفر هذا الشيخ الكريم الوقور الكبير حقا في عيني إن كنت قد كتبت هنا ما يحط من قدره
هذا رأيي بكل صراحة كتبته فمن وافقني فبها ونعمت ومن خالفني فالحوار بيننا
معذرة على بعض كلماتي الحدية