بنية العقل الاصلاحي النبوي… / بقلم د.زبير خلف الله

لست أدري كلما أقرأ القران الا وتجلب انتباهي مسألة المنهج الإصلاحي لدى الأنبياء، فلم أجد نبيا من الأنبياء خرج عن منهجه الاصلاحي ودعا إلى التصادم مع المجتمع الذي عاش فيه، نلمح هذا كله في حوارات الانبياء عليهم السلام مع أقوامهم يحاولون دائما أن يثبتوا أنهم ليسوا غرباء عنهم وأنهم منهم ولا يريدون سوى الاصلاح والاعمار في الأرض ونشر الحرية والعدالة بينهم.
حتى في لحظة اليأس مثل سيدنا نوح عليه السلام الذي يئس من قومه فدعا عليهم نجده قال هذا الكلام بعد ان استنفد كل عوامل الدعوة الاصلاحية والتي استغرقت زهاء الالف سنة.

لقد وصل العقل الاصلاحي الى أعلى قمة في الوعي والنضج مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عاداه قومه وحاصروه في بطن مكة واذوه في الطائف وأدموا قدميه الشريفتين الا ان النبي صلى الله عليه وسلم بوعيه الاصلاحي الناضج والمتقدم لم يعلن التصادم مع قومه ولم يدعو عليهم بالشر بل دعا لهم بالهداية والصلاح( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) فعلا قمة في الوعي الاصلاحي الذي يتطلب عقلا باردا وصبرا طويلا.

مسيرة نضج العقل الاصلاحي من سيدنا نوح الى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استغرقت الاف السنين حتى تصل الى أرقى صورها في عهد الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام.

لم يختلف الانبياء في فلستفهم الاصلاحية رغم اختلاف واقعهم ولكنهم اختلفوا في منهج تطبيق الاصلاح باختلاف خصوصيات واقع كل نبي من الانبياء وجملة الاشكاليات التي كان لها الحضور الاكبر في واقع كل واحد منهم.

لقد كان لعامل الزمن وتحديات الواقع دور أساسي في مسيرة تشكل العقل الاصلاحي النبوي وتطوره ونضجه غير أن هذا العقل الاصلاحي النبوي على اختلاف مراحل تشكله كان متوحدا في سبعة مبادئ أساسية تقريبا وهي:

1 مبدأ عدم التصادم مع المجتمع الذي وجد فيه النبي والحرص على الظهور بمظهر أنه حزء من هذا الواقع وليس غريبا عنه، وأنه يتألم لألمه ويفرح لفرحه.

2 مبدأ ممارسة الفعل الاصلاحي وفق مفردات هذا الواقع وخصوصياته، فقد كان النبي في واقعه يعيش الام قومه ويحرص أن يكون أول من يتصدى لمشاكلهم ويبحث عن حلول لهم بما يتناسب وطبيعة واقعهم وليس وفق طبيعة واقع اخر.

3 مبدأ السماحة والصبر الطويل وطول النفس والاقتناع بحتمية التغيير و تغيرات التوازنات داخل ميزان القوى.

4 مبدأ الوقوف دائما في صف مبدإ الحرية والحق والعدالة ومناصرة المظلومين مهما اشتدت سطوة الظالمين ولم نجد نبيا من الانبياء دخل في مساومات على هذه المبادئ الكونية وهذا المبدأ مهم جدا في نجاح أي ثورة اصلاحية وقاعدة مركزية في بنية العقل الاصلاحي النبوي.

5 لقد كان نجاح الثورة الاصلاحية النبوية عبر التاريخ ليس في انتصارها العسكري وانما في بعدها المعرفي والسلوكي المنبني على منظومة قيمية كونية ثابتة عبر العصور .

6 ايمان العقل الاصلاحي باستراتيجيات اولوية وبمنهج تدرجي يراعي منسوب الوعي المجتمعي ويسعى الى الترفيع فيه باليات الحوار ونقاش الافكار والمعتقدت بعيدا عن السب والشتم والتحقير.

7 بنية العقل الاصلاحي النبوي ترنكز أساسا على العقلانية والواقعية وعلى الحقيقة المثبتة بالدليل، هو عقل علمي تجريبي لا يؤمن بالخرافات ولايبني رؤاه على فرضيات او توقعات بعيدة عن الواقع بل هو عقل تأسيسسي يعتمد بالدرجة الاولى على الحجة والبرهان والدليل القطعي .

خلاصة القول ان العقل الاصلاحي النبوي نجح في كافة مراحله التاريخية أن يحقق ثورات كبرى في المعرفة البشرية وساهم بشكل أساسي في تطوير العقل البشري وتجهيزه ببوصلة مبادئ تنقذه من حالة التيه في ظلمات الوهم وتعقدات الواقع وضبابية الرؤية.

لقد كان العقل الاصلاحي النبوي هو المحرك الفعلي عبر التاريخ في صناعة حضارات عريقة لازالت اثارها قائمة الى يوم الناس هذا.

أليس جديرا بنا في زمننا هذا على اختلاف مشاربنا الفكرية والايديولوجية ان نستفيد من هذا العقل الاصلاحي النبوي ونرتوي من ثورته وتجاربه الاصلاحية عبر التاريخ حتى نصنع ثورتنا الاصلاحية المعاصرة وننقذ أوطاننا وأمتنا من رحلة التيه والحروب والفتن التي تعصف بنا.؟!