النهضة بين الأخطاء والمراجعات…. / د. زبير خلف الله

حركة النهضة اذا حاولنا قراءتها بشكل موضوعي نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة في الفعل السياسي سواء أكان توجها اسلاميا أو عروبيا او يساريا لان هذه الحركة قطعت معن مط الحركات الاسلامية الكلاسيكية المتقوقعة على حالها والتي

تعتقد أن معركتها سواء مع الدولة أو داخل المجتمع ما هي الا معركة بين الحق والباطل.

بيد أن النهضة من خلال مراجعاتها الطويلة باتت تنظر الى أن طبيعة الصراع هي بين مشروع الحرية ومشروع الاستبداد، بين الفعل السياسي الايجابي الذي يعتبر تونس للجميع والفعل السياسي الاقصائي المتقوقع على تكلساته الايديولوجية.
حركة النهضة تخلصت من مسلمة أنها هي الحق وغيرها الباطل فقد أصبحت تنظر الي المخالف معها سياسيا أنه شريك في الوطن وفي مستقبل هذا الشعب وترى أن البقاء لمن يملك مشروعه الاصلح وليس لمن يريد تدمير وحدة الوطن وتقسيم تناغمه المجتمعي.
َقد عبرت النهضة عن هذه الرؤية من خلال نظرية التوافق التي لعبت دورا مهما في انقاذ تونس من احتراب كان سيؤدي بأمن البلاد وباستقراره لقد تجاوزت النهضة فكرة التصادم مع الدولة الي قناعة التصالح مع الدولة والحفاظ عليها علي اعتبار أن الدولة هي العامل الاهم الذي يحافظ على بقاء المجتمع ووحدته واستمرار مساره التنموي والتقدمي.

مايمكن أن نميزه بين النهضة وبين التيار العروبي واليساري أن النهضة او الاسلام السياسي قام بجهود كبيرة في نقد أفكاره وفي رؤاه السياسية واقترب أكثر من الواقع وتخلص من هاجسه الايديولوجي.

غير أن أبناء التيار العروبي واليساري مازالوا الى حد الان لم يعدلوا أفكارهم وظلوا محبوسين في سياقاتهم الايديولوجية وفوتوا الفرص على أنفسهم وكان بامكانهم أن يصبحوا قوة ايجابية فاعلة تضيف ديناميكية وتنوعا للفعل السياسي التونسي في مرحلة ما بعد الثورة التي شارك فيها الجميع ضد الاستبداد.

النهضة بدخولها الي الحكم تراكمت عندها نسبيا ثقافة الدولة وأدركت أهمية الملفات الحارقة التي يجب التعامل معها في كل القطاعات لذلك أصبح خطابها ينحو الى المشاكل الواقعية للشعب وتبحث عن حلول عقلانية وواقعية.

في الوقت نفسه ظل اليسار يعاني من عقدة التيار الاسلامي وينظر اليه علي انه قوة رجعية وظلامية وهي رؤية تستنبط في أعماقها النظرية القائلة بأن الدين أفيون الشعوب.

التيار العروبي علي الرغم من تقاربه مع الاسلاميين في مشتركات عديدة أهمها العروبة التي تعد عنصرا أساسيا في الهوية التونسية الا انهم فضلوا أن يتوحدوا مع اليسار الذي يختلف في مقاربته للهوية والتي يعتبرها حالة متطورة قابلة للتغيير.

غير أن التيار الاسلامي ممثلا خصوصا في النهضة مازال الي حد الان يحتاج الي التطوير والانفتاح أكثر عن المجتمع والقبول بكل تناقضاته والتفاعل معها على أنها نمط تفكير مختلف وليس نمط تفكير مناقض او معاد.

كذلك يحتاج أبناء اليسار وأبناء التيار العروبي أن يعقدوا مراجعات فكرية وسياسية والانفتاح على كل الافكار وخصوصا تعديل رؤيتهم تجاه الاسلام باعتباره يمثل أساس هوية الشعب التونسي.

مازال العقل السياسي التونسي علي اختلاف مشاربه الفكرية باسلامييها ويسارييها وعروبييها يعيش حالة من الضبابية وعدم النضج وغياب ثقافة التعايش بين الافكار من أجل تنمية تونس والارتقاء بالشعب التونسي والاقتراب من همومه دون تحويل الايديولوجيا الى معول هدم للوحدة المجتمعية.

صحيح أن التونسيين نجحوا في تجنيب بلادهم الاحتراب والفوضى غير أن الوضع في تونس مازال لم يستقر بعد جراء حالة الانقسام والتجاذب الايديولوجي بين القوى السياسية الفاعلة في تونس

اليوم تونس دخلت مرحلة لا يمكن للاستبداد أن يعود أبدا، كما انه لا يمكن للاسلاميين ان يقصوا اليسار او العروبيين الذين هم بدورهم لن يقدروا علي ازاحة الاسلاميين من المشهد السياسي.

قدرهم أن يتعايشوا مع بعضهم وان يتجاوزوا حالة الاحتراب الايديولوجي، وأن يبحثوا على عوامل التقارب فيما بينهم والالتقاء غلي مشاريع تحقق التنمية والرقي لوطننا الحبيب تونس.