الحرب السعودية على أهل السنَّة / بقلم محمد مختار الشنقيطي

لقد حافظ جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة على مستوى من اجتماع الكلمة وحفظ الكيان الإسلامي على مر العصور بفضل مبدأين، أولهما مبدأ “لا نكفِّر أحدا من

أهل القِبلة”… والمبدأ الثاني… هو مفهوم “أهل السنة والجماعة… لكن مفهوم “أهل القبلة” يكاد يتلاشى اليوم من الثقافة الإسلامية… والسبب في هذين الانحرافيْن يرجع بالأساس إلى ثقافة التكفير والتشهير التي بثتها السلطة السعودية – السياسية والدينية – في أرجاء العالم الإسلامي، وهي ثقافة تفرِّق ولا تجْمع، ولا يمكن أن تتحقق معها مظلة جامعة للمسلمين مثل مظلة “أهل القبلة”… ثم كانت الجناية الثانية التي جنتها السلطة السعودية… هي إقحامها أهل السنة في حرب وجودية طائفية مدمِّرة مع الشيعة… وقد حرمت الاستراتيجية السعودية الفاشلة في مواجهة الشيعة عموما، وإيران خصوصا، أهل السنة من تحقيق أي شيء على أيٍّ من المسارين…

ثم كانت الجناية الثالثة هي تصدُّر السلطة السعودية لخطيئة الثورة المضادة، وتوجيهها طاقتها السياسية والمالية ضد الشعوب منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وحربها الاستئصالية على القوى الإسلامية السنّية التي كانت رافعة تلك الثورات، وهو ما خلخل البناء العربي كله، وفتح ثغرات مُهلكة في الجسد العربي، وفي الكيان السني الأكبر، دخلت منها إيران وروسيا وغيرهما. وقد أسفرت الإستراتيجية السعودية الخرقاء عن تراجعات كبرى لقوة أهل السنة، السياسية والعسكرية، وحتى الديمغرافية، في أكثر من بلد من بلدان المشرق العربي:

– ففي العراق دفع أهل السنة ثمن التعويل على السلطة السعودية، والانطباع التي قدمتْه لهم ولغيرهم عن استعدادها لمواجهة التمدد الإيراني، وحربها الكلامية الجوفاء مع الشيعة، فكانت النتيجة مفزعة: تقتيلا وتنكيلا وتهجيرا، وإبعادا عن مواطن التأثير والقرار، في دولة كانوا يحكمونها طيلة التاريخ الإسلامي…

– وفي سوريا كان الثوار على بُعد بضعة كيلومترات من قصر السفّاح بشار الأسد في دمشق، فضغطت السلطة السعودية من أجل الاستئثار بملف الثورة السورية، وتهميش الداعمين الآخرين، خصوصا من القطريين والأتراك، فكانت النتيجة تمَزُّق الثورة السورية على جبهتها السياسية، وتضعضعها على جبهتها العسكرية…

– وفي اليمن تستحق تقلبات السياسة السعودية أن تُدرَّس في كليات العلوم السياسية مثالا على التخبط والتناقض والارتجال. فقد أنقذت السلطة السعودية علي عبد الله صالح من ثورة شعبه، بل وأنقذت حياته لما هوجم هجوما قاتلا في صنعاء، وأعادته إلى اليمن معززا مكرَّما ليعبث بمصائر الثورة، ودعمت الحوثيين من أجل استئصال التجمع اليمني للإصلاح، القوة السياسية السنية الكبرى في اليمن….

– وفي تركيا كانت السلطة السعودية داعمة للانقلاب العسكري الغاشم الذي كانت غايتُه تعطيل مسيرة تركيا، من خلال تنصيب قائد عسكري… ليعيد تركيا إلى حالة التبعية، والعداوة الصريحة للإسلام وللعرب، والارتماء في أحضاء إسرائيل، والتخلي عن الآمال العراض التي تعلقها جماهير المسلمين في أرجاء العالم على تركيا الجديدة، كدولة إسلامية قوية، متصالحة مع محيطها الإسلامي.

– وقبل ذلك في مصر كانت السلطة السعودية الداعم الأكبر للانقلاب العسكري الغاشم الذي وأد أجمل الثورات العربية وأعظمها أثرا في المعادلات الإستراتيجية في المنطقة، وسعت السلطة السعودية بذلك إلى استئصال جماعة الإخوان المسلمين، أكبر القوى السياسية الإسلامية في العالم…

– ثم جاء حصار قطر خاتمة سيئة لحرب السلطة السعودية على أي قوة سنية صاعدة، حتى ولو كانت أقرب الناس إليها ثقافيا وجغرافيا وديمغرافيا. فهدمت السلطة السعودية آخر خطوط دفاعها، ومزقت مجلس التعاون الخليجي، وهو القوة الإقليمية التي شكلتها السعودية بيديها عام 1981 من أجل احتواء الثورة الإيرانية، ودرء خطرها…

– ولعل أهل السنة في لبنان سيكونون آخر جماعة سنّية تغدر بها السلطة السعودية، وتسعى الآن إلى رميها في أتون حرب طائفية غير متكافئة، ثم تطعنها في الظهر، تحقيقا لمطامح الرجل المتحفز إلى عرش السعودية اليوم، وخدمة منه لحلفائه الصهاينة الذين ارتمى في أحضانهم بسذاجة، ظانا أنهم المتحكمون في مصائر الكون.

(…) لا مستقبل لأهل السنة بالمشرق العربي، إلا إذا حدث تغير ثقافيي واستراتيجي عميق ببلاد الحرمين التي هي قلب الإسلام ونبعه، أو انتقل مركز التسنن من السعودية لموطن آخر من مواطنه التاريخية الكبرى، مثل مصر، والشام، والأناضول.

ولست أبرئ إيران وامتداداتها من الطائفية المقيتة، ومن العدوان الصارخ الذي جعل أربع دول عربية تنزف لسنين، بل أرى أنهم ارتكبوا فظائع أبشع مما ارتكبته السلطة السعودية. لكن إيران وحلفاءها لم يجمعوا بين الجريمة والفشل، بين الخطيئة والبلاهة، على نحو ما نراه من السلطة السعودية…

الكاتب: محمد مختار الشنقيطي