اغتيال ناهض حتر: بين الدفاع عن حق الحياة وتوريط الإسلاميين مجددا..بقلم بحري العرفاوي

حادثة اغتيال الكاتب الإعلامي الأردني ناهض حتر نهاية الأسبوع الفارط بحرم المحكمة بعمان هي جريمة في حق الحياة البشرية المقدسة التي حرم الله سلبها إلا بالحق وعن طريق حكم قضائي عادل حين يتعلق الأمر بخيانة وطنية أو بتهديد حقيقي لحياة الآخرين وسلامتهم وفي القرآن الكريم “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ” “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ” “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا“.

لا يمكن تبرير تلك الجريمة بأي مبرر ولا يمكن الدفاع عن مرتكبيها خاصة حين تكون الجريمة متعلقة بحرية تعبير كاتب لا يحمل سلاحا ولا يتهدد حياة الآخرين حتى وإن كان له موقف من الدين فقد نهى الإسلام العظيم عن النيل من حرية المعتقد والتفكير والتعبير وأمر بمحاورة الكافرين بالحكمة والموعظة الحسنة وبالإعراض عن الجاهلين الذين يسيئون التعبير والمجادلة وفي القرآن الكريم “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” وفيه “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ” وفيه “وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا“.

هذه المبادئ يعرفها أي مسلم عاقل متوازن ولا يحتاج تذكيرا من أي جهة ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان.

الإشكال الذي يحصل بعد كل جريمة اغتيال لأحد السياسيين أو المفكرين ليس في من يُدين أو في من يبرر ولكن الإشكال الأكثر تعقيدا هو في سوء التوظيف لتلك الجريمة وفي استعمالها لإدانة خصوم سياسيين وعقديين إذ تتبدد الطاقات الذهنية في معارك سياسية وإيديولوجية بدل خوض معركة الدفاع عن حق الحياة ومعركة الدفاع عن حرية التعبير والتفكير والمعتقد وعن الحق في الاختلاف.

جريمة اغتيال الكاتب الأردني ناهض حتر هي جريمة ضد الحياة وضد الإنسانية وهي جريمة تفتح على أكثر من سؤال في زمن سياسي ملوّث ومعقد في كل البلاد العربية.
• هل فعلا السلطات الأردنية تقاضي الكاتب والصحفي ناهض حتر بتهمة “ازدراء الأديان” والحال أنه برّأ نفسه من أي نية للإساءة للذات الإلهية حين أعاد نشر صورة كاريكاتورية من تصميم غيره وليست من تصميمه؟ وهل كانت تلك “التهمة” مجرد غطاء ديني لتصفيته بدافعية سياسية؟
• هل من علاقة بين اغتياله وبين مواقفه السياسية المتعلقة بانتقاده للنظام السياسي ببلاده ونفي الشرعية عن الملك الأردني ودعمه المباشر للنظام السوري في ظل أجواء إقليمية عاصفة وأمام مشهدية دموية تمر بها المنطقة العربية لم نشهد لها مثيلا من قبل؟

• هل من علاقة أيضا بين تلك الجريمة وبين ما شهدته الانتخابات البرلمانية الأردنية من عودة الإخوان إلى المشاركة فيها ومن فوزهم بعدد محترم من المقاعد سيتمكنون من خلالها من الإسهام في صناعة الخطاب السياسي ومن ممارسة النقد ومن التعريف بأفكارهم ومواقفهم كطرف إسلامي يمارس السياسة بآليات معاصرة يؤمن بالديمقراطية وبالعمل السلمي وبالاحتكام إلى الصناديق ويرفض أساليب العنف والإكراه والانقلابات؟

طرح هذه الأسئلة لا يمنع إدانة الجريمة ومرتكبيها ولكننا نحتاج طرحها لتوسيع دائرة التحليل وللمساعدة في كشف الفاعلين وللتضييق على الذين سارعوا إلى اتهام خصومهم السياسيين وشن حملات منظمة للتشويه ولربط الجريمة بالخطاب الديني والحال أن مؤشرات عدة تفتح على احتمالات أخرى تربط جريمة الإغتيال بـ”السياسة” وبالصراع الإقليمي.

ما هو أبشع من جرائم الإغتيال هو التحريض عليها وصناعة أجوائها من خلال الخطاب السياسي الإيديولوجي التضليلي ومن خلال توجيه الاتهامات بغير دليل للمخالفين ومن خلال الاستثمار في الدماء لصناعة أجواء الحروب والفتن وتمزيق الوشائج الاجتماعية.