أوان الملفات الثقيلة / بقلم نور الدين العويديدي

وقد خرجت تونس اليوم من المؤامرة أكثر وعيا ووحدة.. وجاءت أمطار الخير لتغسل ما ران على وجه البلاد من أدران رجس المتآمرين والحالمين بثورة على الثورة من أهل المناجل والمطارق وممن أفسدهم المال وأطغاهم حِلم الله عليهم، حتى ظنوا أنهم قادرون على مزاحمة الله في تصريف شؤون خلقه..

وقد خرجت تونس سليمة معافاة موحدة أكثر من ذي قبل، وحدة جمعت المواطن والامني الشريف لمواجهة اللصوص والمجرمين.. لابد اليوم من فتح الملفات الثقيلة، حتى لا يجد عدو من الداخل او من الخارج منفذا للإساءة لتونس ولتجربتها ومسارها الذي يحسدها عليه كثيرون، وخاصة ممن أطغاهم المال وأشقاهم الخوف على عروشهم حتى ظلوا وحالفوا أعداء الأمة وغرقوا في أوحال الخيانة.

– مشكل تونس الأول والأكبر والثاني والأخير هو الفساد.. فالفساد عشش في تونس وفي كل مفاصلها، وصار سرطانا ينخر عظامها ويأكل لحمها وشحمها ويخنق الفقراء من أهلها حتى يوشكوا أن يدمروها ويدمروا أنفسهم معها.. ولا مستقبل لتونس ما لم تَثُر ثورة حقيقية شاملة عامة عارمة على الفساد.. وما تسميه الحكومة حاليا حربا على الفساد ليس شيئا أمام الحرب الحقيقية المطلوبة ضد الفساد.. فحرب الحكومة حرب انتقائية يمارس فيها شق فاسد حربا على فاسدين منافسين. وما لم تكن الحرب على الفساد حربا حقيقية شاملة لكل فاسد فلا مستقبل لها ولا فائدة منها.

– الإدارة التونسية سبب رئيس في تدمير الاقتصاد وتعطيل نمو الثروة وتكبيرها.. بل سبب رئيسي في كره التونسيين لبلادهم ونقمة شبابها عليها.. وما لم يتفق التونسيون على منهجية لإصلاح الإدارة وتحويلها من دولة داخل الدولة وبؤرة فساد منظمة ومهيكلة، إلى جهاز لخدمة الشعب والدولة فلن ينصلح حال تونس وحال اقتصادها.

– رفض التونسيين للتخريب والحرق والسرقة والنهب لا يعني قبولا بالوضع الفاسد من جهة، ولا يكفي من جهة أخرى ما لم يترافق بعودة حقيقية للعمل والانتاج والتضحية من أجل الوطن.. ولن يضحي الناس من أجل الوطن حتى يروا المسؤول أول من يضحي من أجل الوطن قولا وفعلا.. فلا معنى “للوقوف لتونس” والدولة تبذر المال القليل لديها وتسرف في أعطيات الأعيان وذوي القربى؛ وبعض التونسيين لا يشبع في بطنه ولا يدفأ من برد ولا يطمئن على مستقبل أبنائه.

– لا أمن لتونس ولا أمان لأهلها من مؤامرات القريب والبعيد؛ ما لم يتم التصرف بحكمة وشفافية في الثروات الطبيعية، وما لم تراجع الاتفاقيات القديمة بما يحفظ حق التونسيين اليوم وغدا في ثروات بلادهم وترشيد استهلاكها وحسن التصرف في مداخيلها.. ولا يمكن للشفافية ورضا المواطنين أن يتحقق إلا بحرب حقيقية على الفساد والفاسدين والمفسدين المعششين في هذه القطاعات التي تدر ذهبا.

– بلاد تواجه مؤامرات الداخل والخارج لا معنى فيها لنقابات تدمن الإضرابات وتجعل اقتصاد البلاد رهينة في أيديها.. دور النقابات كما في حالة المانيا واليابان بعد دمار الحرب العالمية الثانية هو ترسيخ الروح الوطنية في نفوس المواطنين وتشجيعهم على العمل والاتقان وبذل الجهد في الانتاج والتميز فيه.. فلا معنى للصراع على تقاسم الفقر، ولابد من إنتاج الثروة وتكبيرها ثم المطالبة بعدالة توزيعها.

– على الحكومة أن توقف شلال القروض الاجنبية وأن توزع الاعباء الضريبية بعدالة، وأن تعمل على ادخال الاقتصاد الموازي في “السيستام” الضريبي بدلا من إنهاك دافع الضرائب الحالي.. ولن يتم لها ذلك ما لم تكن جادة صارمة وما لم تكن حربها على الفساد شاملة عامة صادقة وعادلة.

– لا مستقبل لتونس ما لم تصلح تعليمها.. فتعليمنا في حالة انهيار ولابد من الاعتراف بذلك جهارا نهارا ودون مواربة، والتداعي لحوار وطني حقيقي بعيدا عن الصراعات الايديولوجية المقيتة، التي جعلت من الاصلاحات السابقة افسادا حقيقيا للتعليم.. ولا معنى لإصلاح التعليم ما لم تتحول المدرسة والجامعة ومؤسسات البحث العلمي إلى قاطرة للاقتصاد الوطني ترود به مواطن الابداع والتجديد في الصناعة والبحث والتطوير والاستجابة لمشكلات الفلاح والصناعي والتاجر.

– لن تخرج تونس من دوامة الفقر والاضطرابات ما لم يتحول الاعلام والمدرسة ومؤسسات صناعة الرأي والثقافة إلى مؤسسات تعمل على إحياء القيم الخلقية والجمالية في نفوس المواطنين. ولابد هنا أيضا من حوار وطني شامل ومصارحة حقيقية تقر بأن التردي الاخلاقي قد بلغ مرحلة الخطر الشديد.. ولابد من إصلاح لأجهزة الاعلام والثقافة حتى تكون أداة بناء وترقية نفسية وخلقية واجتماعية، والضرب على يد من يستغل ما لديه من أدوات وإمكانيات لإشاعة الرداءة الاخلاقية والجمالية.