أنا لا أعترف بشرعيّة النّداء ولم أغيّر رأيي فيه قيد ملّيمتر واحد / بقلم عبد اللطيف علوي

منذ الإعلان عن تأسيسه إلى اليوم، مرورا بكلّ المحطّات الّتي كان فيها الخنجر المسموم في رحم الثّورة.

لكنّني مع ذلك أعتبر أنّه أمر واقع، ووصوله إلى الحكم أمر واقع لا بدّ من التّعامل معه بعقل سياسيّ

بارد، من أجل حماية البلد وإنقاذه من سيناريوهات الحرب الأهليّة.

أنا شاعر، متحرّر من كلّ الالتزامات الحزبيّة أو الارتباطات المصلحيّة تجاه أيّ كان، وأستطيع أن أقول ما أريد وما أؤمن به دون أيّ تحفّظ أو مراعاة لمشاعر أحد.

السّياسيّون يتحرّكون في مجالات الممكن والمصلحيّ والمرحليّ والاستراتيجيّ، وهم مطالبون بأن يتقنوا لعبة الكلام وينسجوا تبعا لذلك خطاباتهم حسب تقديرهم الخاصّ لكلّ ما سبق، لكنّ “المثقّف” معنيّ بالحقيقة وحدها، وهو مؤتمن عليها، ومسؤول عنها أمام ضميره وربّه ومتابعيه.

النّدائيّون هم النّظام القديم، متحالفا مع كلّ المافيويّات الأمنيّة والماليّة والايديولوجيّة، وقد كسبوا معركة الواقع، بكلّ ما نعرف من ظروف التّاريخ وبالخيانات وبالمؤامرة الدّوليّة على العربيّ وبكلّ شيء، هم في النّهاية قد كسبوا معركة الواقع، وصاروا حكّاما للبلد، لكنّنا لن نزوّر التّاريخ من أجلهم، وسنظلّ نسمّي الأشياء كما حدثت، ونحن نعرف أنّ المعركة لم تكن شريفة أبدا، وقد استعملت فيها كلّ الأسلحة القذرة بما فيها الاغتيالات وارتهان مصير البلد وتوظيف الإعلام وتعطيل الاقتصاد والاستقواء بمراكز النّفوذ العالميّة من أجل قلب الواقع لصالح الثّورة المضادّة. لن نزوّر كلّ ذلك من أجل عيون التّوافق. وبالمناسبة أنا لا أؤمن كذلك بأنّه توافق حقيقيّ مبنيّ على الاختيار، لأنّه كان تحت ضغط المسدّس في الرّأس، لكنّني مع ذلك أدرك أنّه كان شرّا لا بدّ منه وأنّه لم يكن منه مهرب إلاّ إلى الجحيم. حتّى الانتخابات التي وقعت سنة 2014 وما رافقها من سيناريوهات أمنيّة غريبة وتعبئة عامّة للموتى وتوظيف غير مسبوق للمال السّياسيّ، لست مقتنعا بالمرّة بنزاهتها، وأنا أعتقد أيضا أنّ حركة النّهضة لم تؤمن بها يوما، والمرزوقي أيضا، لم يسلّم بنتائجها يوما، لكنّهم اضطرّوا للخضوع إلى حكم الأمر الواقع مراعاة لمصلحة أكبر واجتنابا لمصير كان يفتح أبواب جهنّم على مصراعيها.

خلاصة الكلام،

إنّ الواقع لا يأتي دائما كما نريد، والسياسيّون مطالبون بالتّعامل معه كما هو وليس كما يحلمون به أن يكون، وهم في ذلك مضطرّون إلى كثير ممّا يكرهون وممّا لا يطيقون، أمّا المثقّف الحرّ، فلا يجب أن يخضع نفسه في تحليله للأحداث وفي حكمه عليها إلاّ إلى ما يرى أنّه الحقيقة، الحقيقة وحدها عارية، ولا شيء سواها.